في منطقة سقارة، كان كل شيء يبدو عادياً بينما كان عالم الآثار المصري زكريا غنيم مشغولاً بأعمال التنقيب في الهرم الملكي لأوناس خلال موسم الحفائر عام 1951. غير أن شيئاً غير مألوف جذب انتباهه فجأة، وهو تل رملي على شكل هرم لم يسبق له أن رآه من قبل.
اكتشاف مدهش
بحماس عالم الآثار، تابع غنيم هذا التل الغامض ليكتشف أنه أمام أحد أعظم الألغاز الأثرية: مجموعة جنائزية كاملة تخص الملك سخم خت، ثالث ملوك الأسرة الفرعونية الثالثة. لقد خلف الملك زوسر، صاحب الهرم المدرج الشهير، لكنه لم يستمر في الحكم سوى ست سنوات.
تفاصيل الموقع
بدأت الحفائر تكشف عن معالم الموقع، حيث اكتشف جزءاً من السور الحجري الأبيض الذي يحيط بالمجموعة، والذي تبين لاحقاً أنه يمتد على محيط يبلغ حوالي 500 متر طولا و185 مترا عرضا. مع تقدم الحفر، توالت الاكتشافات المثيرة، بما في ذلك أختام تحمل اسم الملك سخم خت.
اكتشافات مذهلة
ظهر ممر منحدر يؤدي إلى بهو مسدود بالحجارة والركام يحتوي على عظام حيوانية، أوراق بردي، وأوانٍ حجرية تعود للأسرة الثالثة. في صندوق خشبي، عثر الفريق على مجموعة ذهبية ضمنت أساور وأوانٍ لمستحضرات التجميل محفوراً عليها اسم الملك.
غرفة الدفن
أما شبكة الحجرات المخصصة لتخزين الأثاث الجنائزي للملك، فقد بلغ عددها حوالي 120 حجرة. وفي الحادي والثلاثين من مايو عام 1954، وصل غنيم مع المعلم حفني، رئيس العمال، إلى حجرة دفن غير مزخرفة، حيث وجدوا تابوتاً من حجر الألباستر الشفاف.
تصميم فريد
تميّز التابوت بتصميمه الفريد، حيث لم يكن له غطاء تقليدي، بل كان مزوداً بباب جانبي ينزلق عمودياً، وكان محكم الإغلاق بطبقة من الملاط. فوقه كانت بقايا متحللة لأكاليل نباتية جنائزية، مما يدل على أن القبر لم يُفتح منذ إغلاقه.
حدث عالمي
سرعان ما أصبح الخبر حدثاً عالمياً، حتى تم مقارنته باكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922. كما تنافس البعض على فكرة أن الكشف قد يقدم أول مومياء لملك من عصر الدولة القديمة، حيث لم تُكتشف مومياوات للملوك من تلك الفترة.
تأجيل الفتح
لكن غنيم تأخر في فتح التابوت لأكثر من شهر بسبب صعوبات تقنية في رفع بابه المنزلق. قرر في النهاية فتحه في السادس والعشرين من يونيو عام 1954 بحضور عدد من الصحفيين والدبلوماسيين.
الكشف المذهل
وبينما رُفع باب التابوت ببطء أمام الكاميرات، تفاجأ الحضور بأنه فارغ تماماً؛ لا أثر لمومياء ولا أثاث جنائزي، مما أثار دهشة الجميع. انقسمت الآراء حول تفسير هذا اللغز، حيث اعتقد البعض أن القبر كان رمزياً.
تداعيات اكتشاف فاشل
تحولت لحظة الانتصار إلى كابوس بالنسبة لزكريا غنيم، حيث وُجهت إليه تهمة التورط في تهريب قطعة أثرية نادرة من المتحف المصري عام 1957. وبضغط هذه الاتهامات، أقدم على إنهاء حياته غرقاً في نهر النيل في الثاني عشر من يناير عام 1959.
استعادة السمعة
بعد أيام قليلة من وفاته، عُثر على القطعة المفقودة في مخازن المتحف، مسجلة برقمها الصحيح، مما أدى إلى إعلان براءته بعد فوات الأوان. تجدر الإشارة إلى أن زكريا غنيم كان واحداً من المصريين القلائل الذين اقتحموا مجال التنقيب عن الآثار، وحقق اكتشافات سلطت الضوء على تاريخ مصر القديمة.
