التخطيط من المشاركة العادلة إلى الدكتاتورية الاجتماعية

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التخطيط من المشاركة العادلة إلى الدكتاتورية الاجتماعية, اليوم السبت 11 أبريل 2026 11:51 مساءً

كتبت أكثر من مقال عن أهمية المشاركة الاجتماعية في التخطيط العمراني وصناعة القرار التنموي. تاريخيا، جاءت المشاركة الاجتماعية كردة فعل للمشاريع العمرانية والقرارات التنموية التي لا تستجيب لاحتياجات السكان وفي إطار لا يدعم مبادئ الاستدامة. كرست القرارات العمرانية الارتجالية مبدأ التخطيط من أعلى الهرم إلى أسفله دون استيعاب تام للتحديات التي تواجه أصحاب المصلحة، وهو ما أدى فيما بعد لتهميش بعض الفئات الاجتماعية في المدن.

اعتبر العديد من الخبراء أن تطبيق المشاركة الاجتماعية في المطلق يؤكد على جودة واستدامة المشاريع والقرارات التنموية، وأن ذلك يعد تعبيرا صادقا عن صوت الصالح العام. ولكن هذا الطرح الساذج يستثني فهم بنية المشاركة الاجتماعية نفسها، ومكونات المجتمع، وسلم المشاركة، وآليات تطبيقها؛ إذ قد تتحول المشاركة في كثير من الأحيان إلى مجرد غاية شكلية أو أداة لتحسين المسار الإجرائي في عملية التخطيط.

والسؤال الأهم هل يمكن أن تنحرف أهداف المشاركة الاجتماعية لتصبح أداة ضغط تؤثر سلبا على الصالح العام؟

في الحقيقة، قد تتحول المشاركة الاجتماعية إلى وسيلة ضغط ترتد عكسيا على المؤسسة أو القطاع عندما تُمارس بعض الفئات الاجتماعية مشاركة سلبية لترسم صورة ذهنية مغايرة للواقع وفقا لمصالحهم وبعيدا عن المصلحة العامة. وغني عن البيان، فالمشاركة الاجتماعية يمكن أن تعطي صانعي القرار مدخلات مستنيرة وتعمل على تقويم المنتج العمراني. ومع ذلك، تفقد المشاركة الاجتماعية أهميتها في حال عدم وجود إطار حوكمة واضح يضمن مشاركة وتمثيل عادل للمجتمع.

إن إطار المشاركة الاجتماعية يقع ضمن منظومة تشاركية شمولية لأصحاب المصلحة كافة، تختلف في القوى، والموارد، والقدرة على التأثير. كما أن بنية هذه المشاركة الاجتماعية تتضمن إشراك فئات المجتمع كافة بمن في ذلك الفئات المستضعفة، أو المحرومة، أو تلك غير القادرة على إيصال صوتها. إن ما يظهر أحيانا كصوت مجتمعي قد يكون في الواقع صوتا لجماعة ذات نفوذ، أو أقلية تبحث عن مصلحة ذاتية لتصورها على أنها مصلحة عامة. بعبارة أوضح، قد تختطف بعض الفئات الاجتماعية المشاركة وتعمل على إعطاء مدخلات مضللة أو غير واقعية لصاحب القرار.

فمثلا، لا يمكن أخذ نتائج استطلاع الرأي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وحدها؛ فالمجتمعات الافتراضية لا يمكن الوثوق بها أصلا لا سيما في الدراسات العلمية أو القرارات الاستراتيجية الهامة. وفي معظم الأحوال، تتحول التفاعلات الجمعية في الفضاء الالكتروني إلى وسيلة ضغط تنقاد بالامتثال الاجتماعي وتؤثر سلبا على القرار، وتساهم في إحباط المسؤول وإرباك المؤسسة وتشتيت منظومة العمل؛ بل يمكن أن تسهم في تسطيح أي فكرة خلاقة أو منجز.

نعم، دكتاتورية المجتمع تتجلى أحيانا في محاولة الهيمنة على القالب النمطي أو الادعاء بحراسة الفضيلة والقيم، وفرض التوافق مع قوالب أيديلوجية والضغط على كل من يعبر بالاختلاف. ويتأثر القرار تبعا لذلك بمسايرة هذه المجموعات الاجتماعية وكسب ودها ومحاولة نيل رضاها باعتبارها قوة تمثل السواد الأعظم للمجتمع وهي ليست كذلك. لذلك، فإن آليات المشاركة الاجتماعية تؤكد على تنويع أدوات المشاركة بما في ذلك المقابلات الميدانية والورش العامة والجمعيات المدنية التي تحفز مشاركة المجموعات كافة الممثلة للمجتمع، وعدم وجود ذلك يعني اختطاف الرأي بواسطة المجموعات الضاغطة أو ذات الصوت العالي أو تلك التي تمتلك أدوات ضغط يمكنها التأثير.

باختصار، إن تطبيق مبدأ المشاركة الاجتماعية عشوائيا دون إطار حوكمة وبلا استيعاب تام لبنيتها الداخلية ومكوناتها سوف يعيد إنتاج الهيمنة ولكن بطريقة الدكتاتورية الاجتماعية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق