أزمة الجامعة بين تسريبات متداولة وتساؤلات معلقة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أزمة الجامعة بين تسريبات متداولة وتساؤلات معلقة, اليوم الأربعاء 22 أبريل 2026 10:43 مساءً


لم يكن الجدل الذي صاحب التغييرات الأخيرة في جامعة الملك سعود مفاجئا، بل كان متوقعا؛ فالأخبار حين تتداول همسا، والآراء تبنى على تسريبات مبهمة، فإنها لا تنتج إلا تفسيرات مربكة وتساؤلات مقلقة.

فحين يصل إلى أسماع عشرات الآلاف من أعضاء هيئة التدريس والطلبة خبر إلغاء برامج أكاديمية، تشمل تخصصات إنسانية واجتماعية ولغوية، عبر قنوات غير رسمية، دون مبررات واضحة أو تفاصيل مكتملة؛ فإن أزمة ثقتهم بقرارات الجامعة أمر واقع لا محالة، بل إن رقعة هذه الأزمة تتسع كلما زادت التساؤلات المقلقة دون وجود إجابات واضحة ومطمئنة.

كيف نشأت الأزمة؟
في عام 2022 صدر الأمر الملكي الكريم القاضي بتحويل جامعة الملك سعود إلى مؤسسة أكاديمية مستقلة غير هادفة للربح، تحت مظلة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ومنذ ذلك الحين تعمل إدارة الجامعة مشكورة بجد واجتهاد نحو تحقيق هذا التحول؛ إلا أن هذه الجهود المباركة لم تصاحبها مشاركة فاعلة لأصحاب المصلحة، وهذا ما ظهر جليا في ردودهم ونقاشاتهم على منصات التواصل الاجتماعي.

الأمر الذي زاد من حدة هذه النقاشات غياب «الرواية الاستراتيجية» لهذه التغييرات، فكل ما وصل إلى مسامعهم تداولات مجتزأة وتسريبات متناقضة، مصدرها أحاديث متناقلة من قبل حضور لقاء يتعلق باعتماد الاستراتيجية الجديدة للجامعة، علاوة على تعاميم مختصرة تتعلق بمسارات القبول الجامعي للعام الدراسي القادم.

التغيير سنة كونية وطبيعة حتمية؛ فالظروف من حولنا تتغير، والمعطيات التي بين يدينا تتبدل، ولذا من البديهي أن ينعكس هذا التغيير على حياة الأفراد والمنظمات والمجتمعات، إلا أن أدبيات إدارة التغيير تؤكد أن إشراك أصحاب المصلحة، وتعزيز التواصل الاستراتيجي بهم ليسا خيارين، بل شرطان لنجاح أي تغيير أو تحول.

تساؤلات معلقة
حين انطلق عدد من القنوات غير الرسمية ببث التسريبات حول التغييرات، تولدت تساؤلات لا تزال معلقة ومقلقة، منها:
ما هي طبيعة هذا التحول وتفاصيله؟ وما هي البرامج الأكاديمية المتأثرة؟ وهل ألغيت هذه البرامج كليا أم أعيد تصميمها لمواكبة الاحتياجات والتطلعات؟ وهل هذه التغييرات تواكب الاحتياجات الحالية والمستقبلية؟

ما هي أهداف وأبعاد هذه التغييرات؟ مواكبة سوق العمل؟ أم تخفيف الأعباء المالية؟ أم كان الباعث لها السعي نحو تحقيق قفزات سريعة في المؤشرات الدولية؟

ما مصير أعضاء هيئة التدريس والطلبة المنتسبين للبرامج الأكاديمية المتأثرة؟ وهل الأجدر بالطلبة الاستمرار حتى يتخرجوا، أم يتداركون مستقبلهم وينتقلون لبرامج أخرى إن كانت الجامعة تؤمن بعدم جدوى برامجهم الحالية؟

هل ستستغني الجامعة عن تأسيس الطلبة بالعلوم الأصيلة والمهارات الرصينة، وتركز على تهيئتهم بتخصصات دقيقة ومهارات وظيفية، فتتحول من مؤسسة منتجة للابتكار والمعرفة إلى مركز للتأهيل الوظيفي؟

ربط التعليم بسوق العمل هدف مشروع، لكن هل من الصواب اختزال القيمة التعليمية في تأمين الوظيفة؟ أم أن دور الجامعة يتعدى ذلك ليشتمل على أمور أخرى كتشكيل الهوية وبناء الفكر وتعزيز الأخلاق وصناعة المعرفة وإنتاج البحوث والدراسات في شتى العلوم والمجالات؟

لماذا لم تتجه الجامعات العالمية العريقة والمتقدمة في التصنيفات العالمية إلى ما نحته جامعة الملك سعود من إلغاء لبرامج أكاديمية في التخصصات الإنسانية والاجتماعية؟

الدراسات الإنسانية والاجتماعية واللغوية ركن رصين من رؤية المملكة 2030، وجزء أصيل من مسيرة التقنية والصناعة، فهل سيحظى طلبة الجامعة بما يحتاجون منها أم يتعين عليهم تلمسها في مصادر تعليمية أخرى؟

تمتلك الجامعة قدرات متنوعة وخبرات متراكمة لعقود طويلة، ولها ذراع استشاري يقدم خدماته للعديد من الجهات الحكومية والخاصة، فلماذا آثرت أن تدفع الأموال الطائلة لتستعين بغيرها في بناء استراتيجيتها؟

واستجابة لمثل هذه التساؤلات، قامت الجامعة مشكورة بإصدار بيان توضيحي؛ إلا أن بيانها كان مقتضبا ومبهما، مما فاقم الأزمة وضرب مسمارا آخر في نعش الثقة!

هل الجامعة تابعة أم صانعة لسوق العمل؟
سؤال جدلي عبر عقود متتابعة، إلا أن الرأي المنصف والمعتدل يرى أن العلاقة بينهما علاقة تفاعلية متبادلة، وأي محاولة لاختزالها في اتجاه واحد تقود إلى سياسات وأهداف تعليمية غير مكتملة.

سوق العمل يكشف عن المتطلبات الحالية للتخصصات العلمية والمهارات الوظيفية، ولذا لا ضير أن تستوعب الجامعة هذه الاحتياجات؛ لكننا بالمقابل ندرك أن سوق العمل «قصير النظر» بطبيعته وتذبذبه، إذ يركز على احتياجات اليوم، دون النظر إلى متطلبات الغد. ومن هنا يأتي دور الجامعة في المحافظة على العلوم الأصيلة، مع إعادة تصميمها بما يتواكب مع المتغيرات، وخلق معارف جديدة تلبي الاحتياجات الحالية والتطلعات المستقبلية، فتسهم في تخريج عقول تواكب المتطلبات الراهنة وتؤسس لقطاعات اقتصادية قادمة.

خلاصة القول، سوق العمل أحد مدخلات استراتيجيات المؤسسات التعليمية؛ يرسل إشارات تلتقطها الجامعات ضمن (مسار الاستجابة)، مع حفاظها على أهدافها ومكتسباتها وسعيها لتعظيم مخرجاتها وأثرها ضمن (مسار الريادة).
التجارب العالمية

ما أقدمت عليه جامعة الملك سعود لم يكن في أصله بدعا من الأمر، بل هو ديدن ما تقوم به الجامعات العالمية؛ إلا أن الفارق كان في إدارتها للتحول!
تؤكد النماذج العالمية في إدارة التغيير، مثل كوتر (Kotter›s 8-Step Model) وأدكار (ADKAR Model)، أن إشراك أصحاب المصلحة مبكرا شرط أساس لنجاح أي تغيير. وتؤكد المنظمات الدولية المعنية بالتربية والتعليم، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن إشراك الأساتذة والطلبة والمجتمع في القرارات الأكاديمية يعزز جودة المخرجات واستدامة التغييرات.

حين أدركت أفضل الجامعات العالمية ضرورة إشراك المعنيين في اتخاذ القرار، وأهمية الشفافية، وتعزيز الاتصال الاستراتيجي بهم، نجحت في إدارتها للتغيير والتطوير، فعلى سبيل المثال: لم تلغ هارفارد وستانفورد وأكسفورد وكامبريدج التخصصات الإنسانية والاجتماعية، بل استجابت للمتغيرات من خلال إعادة تصميمها أو دمجها مع برامج أخرى تعزز من عمقها وأثرها.

ولذا لا عجب أن يؤكد د.أغوستين رايو، عميد كلية العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، على أن تعزيز العلوم الإنسانية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ليس خروجا عن رسالتها الأساسية، بل هو وسيلة لضمان استمرار ريادتها التقنية عالميا، جاء ذلك في معرض حديثه الأسبوع الماضي بمناسبة مرور 75 عاما على تأسيس الكلية.

ختاما، نحن على يقين بأن إدارة الجامعة تمتلك الأمانة والأهلية اللتين تخولانها اتخاذ قراراتها، ونؤمن بسعيها إلى إنجاحها، غير أن ذلك لا يتأتى - بعد توفيق الله - إلا بإشراك المعنيين في صناعتها، والاطلاع على تفاصيلها، والمشاركة الفاعلة في تقييمها وتطويرها.

فيا جامعتنا العريقة، أما آن لهذا الغموض أن ينجلي، ولهذه التساؤلات المعلقة أن تجد جوابا؟

فالثقة لا تبنى بالقرارات وحدها، بل بوضوحها، ومشاركة منسوبيها في صناعتها، لتبقى الجامعة - كما عهدناها - منارة علم تبنى بسواعد أبنائها المخلصين.

moqhim@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق