- 1.32 مليار دينار إجمالي ودائع الحكومات والمؤسسات العامة الأجنبية بالبنوك
- 80 % من الودائع تتركز في ودائع «القطاع الخاص» بقيمة 5.43 مليارات دينار
أحمد مغربي
في وقت تتزايد المنافسة الإقليمية على استقطاب السيولة ورؤوس الأموال، تبرز البنوك الكويتية بوصفها مستودعا متناميا للقيمة والودائع، بعدما أظهرت قدرتها على استيعاب كميات أكبر من الأموال الأجنبية غير المقيمة، ليس فقط كحركة مصرفية عابرة، بل كتطور يعكس ثقة متزايدة في البيئة النقدية والمصرفية الكويتية. وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة حين ترتبط بودائع (الأجانب) غير المقيمين من شركات ومؤسسات أجنبية وأفراد، لأنها تمثل في جوهرها أموالا خارجية تبحث عن ملاذ مصرفي آمن ومرن وقادر على الاحتفاظ بالسيولة وإدارتها، وفي هذا السياق، سجلت الكويت واحدة من أكبر القفزات خلال عام واحد، مع ارتفاع ودائع غير المقيمين لدى البنوك المحلية إلى 6.75 مليارات دينار بنهاية فبراير 2026، في مستوى يعكس تحولا واضحا في حجم هذه الأموال وطبيعة مصادرها. ومن زاوية الحركة الزمنية، فإن إجمالي الودائع الأجنبية سجل ارتفاعا كبيرا خلال عام واحد فقط، إذ كانت ودائع غير المقيمين قد بلغت 3.73 مليارات دينار في فبراير 2025، لتسجل في فبراير 2026 مستوى 6.75 مليارات دينار، ما يعني أن الزيادة خلال 12 شهرا بلغت أكثر من 3 مليارات دينار، وبنسبة نمو تقارب 81%. وهذه قفزة كبيرة جدا لا يمكن التعامل معها على أنها تغير عابر، لأنها تعكس تحولا فعليا في حجم الأموال الأجنبية المودعة لدى البنوك المحلية خلال عام واحد فقط، لكن التدقيق في تفاصيل هذا الصعود يظهر أن القوة الأساسية وراءه جاءت من ودائع القطاع الخاص بالعملات الأجنبية، فهذه الودائع ارتفعت من 2.13 مليار دينار في فبراير 2025 إلى 4.86 مليارات دينار في فبراير 2026، بزيادة قدرها 2.72 مليار دينار ونسبتها 127.6%.
في المقابل، ارتفعت ودائع القطاع الخاص بالدينار من 550.4 مليون دينار إلى 561.9 مليون دينار فقط، أي بزيادة قدرها 11.5 مليون دينار ونسبتها 2.1%، وهذا يعني بوضوح أن الزيادة في الإجمالي لم تأت من نمو قوي في الودائع المحلية المقومة بالدينار، بل من تضخم ملحوظ في الودائع الأجنبية.
وعند تفكيك الرصيد الإجمالي، يتبين أن ودائع القطاع الخاص غير المقيم استحوذت وحدها على 5.43 مليارات دينار بنهاية فبراير 2026، أي ما يعادل نحو 80.4% من إجمالي ودائع غير المقيمين، وهذه الحصة المرتفعة تكشف عن أن المشهد تقوده بدرجة حاسمة أموال القطاع الخاص الأجنبي، سواء كانت مرتبطة بشركات غير مقيمة، أو بجهات أجنبية تدير سيولتها عبر البنوك المحلية، أو بأعمال وعقود تتطلب الاحتفاظ بأرصدة مصرفية داخل الكويت.
كما توضح الأرقام أن الهيكل الداخلي لهذه الودائع يميل بصورة حادة إلى العملات الأجنبية، إذ بلغت حصة الودائع الأجنبية من إجمالي ودائع القطاع الخاص غير المقيم نحو 89.7%، مقابل 10.3% فقط للدينار الكويتي، ما يرسخ دلالة أساسية مفادها أن البنوك الكويتية باتت تستوعب في المقام الأول سيولة أجنبية خارجية أكثر من كونها تستقطب تحويلا كبيرا نحو الودائع المحلية المقومة بالدينار.
أما ودائع الحكومة غير المقيمة فقد بلغت 149.9 مليون دينار بنهاية فبراير 2026، مقارنة مع 228.3 مليون دينار في فبراير 2025، وتبقى هذه الفئة محدودة الوزن، إذ لا تمثل سوى نحو 2.2% من إجمالي ودائع غير المقيمين، ورغم محدودية هذه الحصة، فإن وجودها يعكس استمرار وجود حسابات مرتبطة بجهات حكومية أو رسمية غير مقيمة تحتفظ بأرصدة لدى البنوك المحلية.
وفيما يتعلق بودائع المؤسسات العامة غير المقيمة، تظهر البيانات أن هذا البند بلغ 149.1 مليون دينار بنهاية فبراير 2026، مقابل 59.0 مليون دينار في فبراير 2025، بزيادة قدرها 90.1 مليون دينار ونسبتها 152.7%، ورغم أن هذه النسبة تبدو مرتفعة جدا، فإن الوزن المطلق لهذا البند يظل محدودا، إذ يمثل نحو 2.2% فقط من الإجمالي، كما أن هذه الزيادة، على قوتها النسبية، لم تكن العامل الحاسم في القفزة السنوية، لأن أثرها العددي يبقى أقل بكثير من تأثير الزيادة الكبيرة في ودائع القطاع الخاص بالعملات الأجنبية.
وبالتالي بلغ إجمالي ودائع الحكومات والمؤسسات العامة الأجنبية في البنوك المحلية مستوى 1.32 مليار دينار.
وعلى مستوى تطور الأشهر الأخيرة، تكشف البيانات أن مسار الصعود لم يكن طفرة مؤقتة خلال شهر فبراير 2026 فقط، بل تسارع بوضوح خلال النصف الثاني من 2025، فقد ارتفع الإجمالي من 4.05 مليارات دينار في مارس 2025، ثم إلى 4.8 مليارات دينار في شهر مايو، واختتم العام الماضي عند مستوي 6.39 مليارات دينار، وهذا المسار يوضح أن القفزة لم تكن حدثا منفصلا، بل جاءت بعد موجة تراكمية من الصعود، خاصة في الأشهر التي شهدت توسعا واضحا في الودائع الأجنبية.
وعند البحث في الأسباب الجوهرية وراء هذه القفزة، يتبين أن العامل الأول يتمثل في طبيعة ودائع الأجانب غير المقيمين نفسها، حيث ترتبط بشكل مباشر بأنشطة الشركات الأجنبية العاملة في البلاد، خاصة تلك التي تنفذ عقودا حكومية أو مشاريع كبرى، وهذه الشركات تحتفظ بسيولتها داخل البنوك المحلية لتغطية التزاماتها التشغيلية، ما يؤدي إلى تضخم الأرصدة المصرفية خلال فترات تنفيذ الأعمال.
العامل الثاني يرتبط بتوسع النشاط الاقتصادي المرتبط بالعقود والمشاريع، حيث يؤدي دخول شركات جديدة أو توسع أعمال شركات قائمة إلى زيادة حجم الأموال المتداولة داخل النظام المصرفي، وغالبا ما تكون هذه الأموال تشغيلية بطبيعتها، ما يجعلها سريعة النمو، لكنها في الوقت ذاته عرضة للتقلب.
أما العامل الثالث فيتمثل في جاذبية القطاع المصرفي الكويتي، الذي يتمتع بمستويات عالية من الاستقرار والسيولة، ما يجعله وجهة مناسبة للاحتفاظ بالأموال الأجنبية، خاصة في بيئة إقليمية تتسم بالتذبذب. هذه الميزة تعزز من قدرة البنوك المحلية على جذب السيولة الخارجية وإدارتها بكفاءة.







0 تعليق