شهدت الأسواق العالمية تحولات دراماتيكية في حركة الملاذات الآمنة حيث عاد الذهب للتألق مجددا في التعاملات الفورية محققا مكاسب ملحوظة بعد موجة هبوط حادة قادته لتسجيل أدنى مستوياته السعرية منذ الثلاثين من مارس الماضي
وجاء هذا الارتداد مدفوعا بعمليات تصحيح فنية ومخاوف متزايدة من تفاقم الصراع الاقتصادي والسياسي في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية التي ألقت بظلالها الكثيفة على سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة الدولية مما عزز جاذبية الذهب الاستثمارية
وحسب تقرير لوكالة رويترز الإخبارية فقد ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة بلغت ثلاثة أعشار بالمئة ليصل إلى مستوى 4552.59 دولار للأوقية بعدما تراجع في وقت سابق من الجلسة تحت وطأة الضغوط البيعية بينما انخفضت العقود الأمريكية الآجلة للمعدن الأصفر تسليم يونيو بنسبة واحد بالمئة لتستقر عند 4557 دولار للأونصة وسط ترقب شديد من المستثمرين لبيانات التضخم ومسار السياسات النقدية التي سيتبعها مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي خلال الفترة المقبلة لمواجهة الضغوط السعرية المتصاعدة
التحليل الفني لأسواق المعادن الثمينة والدوافع الهيكلية وراء عودة القوة الشرائية
وأوضح المحلل المالي نيكوس تزابوراس خبير الأسواق لدى منصة ترادو دوت كوم التابعة لشركة جيفريز العالمية أن التراجع الأخير الذي شهدته الأسعار كان مبالغا فيه من الناحية الفنية البحتة مشيرا إلى أن الصناديق الاستثمارية الكبرى أظهرت عدم استعدادها للسماح لأسعار الذهب بالانزلاق نحو منطقة هبوطية طويلة الأمد خصوصا في ظل استمرار العوامل الهيكلية والجيوسياسية الداعمة للمعدن النفيس والتي تشكل شبكة أمان قوية تمنع انهيار الأسعار وتوفر مجالات خصبة لبناء مراكز شرائية جديدة
وأضاف الخبير المالي في سياق تحليله لحركة الأسواق أن استبعاد المتعاملين لإمكانية قيام مجلس الاحتياطي الاتحادي بخفض الفائدة خلال العام الحالي يمثل تحديا كبيرا لنمو الذهب نظرا لأن بيئة الفائدة المرتفعة تزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائدا دوريا وتوقع أن يؤدي استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول إلى توجيه ضربات متتالية للمعدن الأصفر رغم قوة العوامل السياسية المحفزة التي تدفع المستثمرين نحو التحوط من تقلبات العملات ومخاطر التضخم
تأثير عوائد السندات الأمريكية قفزة العوائد لأعلى مستوى منذ عامين وتأثيرها العكسي
وفي المقابل قفزت عوائد سندات الخزانة الأمريكية القياسية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ فبراير من العام الماضي مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة العالمية مما شكل جبهة مقاومة قوية أمام صعود الذهب وتسببت هذه القفزة في العوائد في تقييد مكاسب المعادن الثمينة حيث يفضل قطاع واسع من المستثمرين توجيه السيولة نحو أدوات الدين الأمريكية التي باتت تمنح عوائد مرتفعة ومضمونة في ظل أجواء عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي
وأدت الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران إلى اشتعال أسعار النفط وتأجيج المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي في موجة تضخمية جديدة تؤثر على الذهب بشكل مباشر حيث تجاوز سعر خام برنت القياسي حاجز 110 دولارات للبرميل نتيجة تعثر المفاوضات الدبلوماسية واستمرار إغلاق مضيق هرمز الذي يعد الشريان الرئيسي لإمدادات الطاقة العالمية مما زاد من توقعات الأسواق بقيام البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة مجددا لضبط الأسعار
توقعات الفيدرالي الأمريكي احتمالات رفع الفائدة بحلول نهاية العام الجاري وتأثيرها الاقتصادي
وتشير بيانات أداة فيد ووتش الصادرة عن مجموعة سي إم إي إلى أن التوقعات برفع أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأمريكي بحلول ديسمبر المقبل قد تجاوزت أربعين بالمئة مما يضع الذهب تحت ضغط مستمر ويحد من قدرته على تسجيل مستويات قياسية جديدة في المدى القصير وتكشف هذه التقديرات عن تحول جذري في معنويات الأسواق التي كانت تراهن سابقا على تيسير السياسة النقدية لكن التطورات الميدانية الأخيرة غيرت كل الحسابات
ودفعت هذه التحولات المتسارعة بالعديد من المؤسسات المالية الدولية إلى مراجعة تقديراتها حيث قامت البنوك الاستثمارية الكبرى بتقليص توقعاتها لأسعار الذهب على المدى القريب نتيجة تراجع الإقبال من جانب صناديق التحوط وكان بنك جيه بي مورجان في مقدمة الهيئات المالية التي خفضت متوسط توقعاتها لسعر المعدن الثمين لعام 2026 إلى مستوى 5243 دولارا للأونصة مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت تضع السعر المستهدف عند 5708 دولارات تحت تأثير تغيرات الفائدة
رؤية المؤسسات المالية الكبرى حول حل النزاعات الدولية وإعادة تنشيط طلب المستثمرين
وأكد خبراء الاقتصاد في بنك جيه بي مورجان أن الأسابيع المقبلة قد تشهد تقلبات سعرية واسعة النطاق في أسواق الذهب بسبب التطورات المرتبطة بالمفاوضات السياسية وإعادة تقييم السياسات النقدية وأشاروا إلى أن التوصل إلى حل سياسي شامل للحرب الأمريكية الإيرانية يمثل المفتاح الأساسي والشرط الضروري لإعادة تنشيط اهتمام المستثمرين وزيادة الطلب على الأصول الآمنة مما قد يعيد رسم الخارطة السعرية للمعادن الثمينة ويدفعها نحو الارتفاع مجددا وبقوة
وعلى صعيد المعادن النفيسة الأخرى المرتبطة بحركة الذهب فقد سجلت الفضة في المعاملات الفورية ارتفاعا بنسبة ثمانية أعشار بالمئة لتصل إلى مستوى 76.52 دولار للأوقية في حين شهد البلاتين تراجعا طفيفا بنسبة اثنين وعشرين بالمئة ليستقر عند 1969.90 دولار للأونصة بينما ارتفع البلاديوم بنسبة اثنين وعشرين بالمئة ليصل إلى مستوى 1415.76 دولار وسط تباين واضح في أداء المعادن الصناعية والثمينة تأثرا بحالة الإغلاق الملاحي وتراجع حركة التجارة
وفي سياق متصل تتابع الأوساط المالية عن كثب التطورات الجارية في ممرات التجارة البحرية التي تؤثر بصورة غير مباشرة على أسعار الذهب من خلال قنوات التضخم وارتفاع تكاليف الشحن الدولي ويرى خبراء ومحللون أن أي تصعيد إضافي في مضيق هرمز سيؤدي حتما إلى قفزات جديدة في أسعار السلع الأساسية مما يدعم فرضية استمرار التضخم المرتفع لفترة زمنية أطول ويجبر البنوك المركزية على التمسك بمسارها المتشدد
وتشير التقارير الميدانية إلى أن تراجع معنويات المستهلكين في الأسواق الآسيوية الناشئة قد يسهم في إبطاء وتيرة نمو الذهب الفعلي نظرا لارتفاع الأسعار المحلية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة وتأثير ذلك على القوة الشرائية للأفراد لاسيما في أسواق الهند والصين التي تمثل الركيزة الأساسية للطلب المادي على المعدن الثمين في العالم مما يجعل الأسواق تعتمد بشكل أساسي على طلب الصناديق والمؤسسات الاستثمارية الكبرى
ويتوقع خبراء الاستثمار أن يظل الذهب يتأرجح ضمن نطاقات سعرية محددة بانتظار مؤشرات أكثر وضوحا بشأن مستقبل العلاقات الدولية ومصير الهدنة المحتملة في الشرق الأوسط وتتحرك المحافظ الاستثمارية حاليا بحذر شديد مع التركيز على تنويع الأصول بين السندات قصيرة الأجل والمعادن الثمينة لتقليل نسبة المخاطر المترتبة على التقلبات العنيفة التي تفرضها ظروف الحرب الدائرة بين القوى الإقليمية والدولية والتي غيرت وجه الاقتصاد العالمي
وتسعى البنوك المركزية العالمية إلى تعزيز احتياطياتها السيادية من خلال مواصلة شراء الذهب كإجراء احترازي لمواجهة العقوبات الاقتصادية المحتملة وحماية ثرواتها الوطنية من التآكل الناتج عن انخفاض قيمة العملات الورقية الكبرى وتساهم هذه المشتريات الرسمية المستمرة في دعم المستويات السعرية الحالية ومنع حدوث انهيارات حادة في السوق رغم الضغوط الشديدة التي تفرضها عوائد السندات المرتفعة وتوقعات الفائدة الصارمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
وتشير دراسات معاهد البحوث الاقتصادية إلى أن التكلفة التقديرية للأدوات الدفاعية والأنظمة العسكرية الحديثة تسهم في تفاقم العجز المالي للدول الكبرى مما ينعكس إيجابيا على الذهب باعتباره الملاذ الأخير لحفظ القيمة في أوقات الأزمات الهيكلية الكبرى وتظل النظرة المستقبلية للمعدن الثمين معلقة بين مطرقة القرارات النقدية الصارمة للبنوك المركزية وسندان الصراعات الجيوسياسية المتفجرة التي تهدد استقرار النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار الأمريكي

















0 تعليق