أكد الدكتور علي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن عدم اعتماد النبي ﷺ على المعجزة الخارقة وحده في رحلة الهجرة النبوية المباركة يحمل رسائل تربوية وتشريعية عظيمة للأمة الإسلامية، مشيراً إلى أن المتأمل في تفاصيل الهجرة يدرك أن الأخذ بالأسباب الكونية وإحكام التخطيط البشري يمثلان جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من عقيدة التوكل الحقيقي على الله سبحانه وتعالى، وليس بديلاً عنه أو منافياً له.
وأوضح الدكتور علي فخر، خلال مشاركته في تغطية خاصة عبر شاشة "قناة الناس" بمناسبة الاحتفال بحلول العام الهجري الجديد، أن المولى عز وجل كان قادراً على نقل نبيه المصطفى إلى المدينة المنورة في لمح البصر وبمعجزة إلهية تفوق حدود العقل، تماماً كما حدث في رحلة الإسراء والمعراج؛ إلا أن الحكمة الربانية اقتضت أن تأتي الهجرة عبر أسلوب بشري منظم ومحكم، لتكون بمثابة درس عملي متوارث يعلم الأمة بكافة أجيالها كيفية إدارة الأزمات الطارئة وبناء الدول والمؤسسات وفق سنن الكون المنضبطة.
واستعرض أمين الفتوى، عبر شاشة "قناة الناس"، الملامح الإستراتيجية والدقيقة لخطة الهجرة النبوية، لافتاً إلى أن أولى تلك الملامح تمثلت في التزام النبي ﷺ بانتظار الإذن الإلهي بالتحرك وعدم التسرع في اتخاذ القرار المصيري برغم هجرة غالبية أصحابه، وهو ما يرسخ قيمة الانضباط القيادي. وتجلت دقة التخطيط في اختيار توقيت الخروج غير المعتاد وقت الظهيرة، وتكليف سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنوم في الفراش لتمويه المشركين ورد الأمانات إلى أهلها، بالإضافة إلى الاستعانة بـ"عبد الله بن أريقط" كدليل خبير بالمسالك والطرق برغم عدم إسلامه وقتها، مما يؤكد اتساع الرؤية النبوية والاستعانة بأهل الكفاءة والخبرة.
منظومة عمل جماعية متكاملة
وأضاف فخر أن الخطة اعتمدت على منظومة عمل جماعية متكاملة وموزعة الأدوار بدقة متناهية؛ حيث قامت السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بمهام الإمداد والتموين من خلال إيصال الطعام، وتولى شقيقها عبد الله بن أبي بكر دور الجانب الاستخباراتي بنقل الأخبار وتحركات قريش، في حين كُلف عامر بن فهيرة بطمس الآثار وإخفاء معالم الأقدام بالماشية، وصولاً إلى اللجوء لغار ثور ثم سلك طريق ساحلي غير مألوف نحو المدينة، مما يبرز أعلى درجات التفكير الإستراتيجي وتجنب النمطية وقت الأخطار الشديدة.
وشدد أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية على أن هذا النهج النبوي الصارم يفصل تماماً بين التوكل الإيجابي والتواكل السلبي، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِالبه وَكِيلًا﴾.
تطبيق هذا النموذج الحي في واقعهم المعاصر عند مواجهة المشكلات
ودعا المسلمين إلى تطبيق هذا النموذج الحي في واقعهم المعاصر عند مواجهة المشكلات الشخصية أو العامة، وذلك عبر وضع خطط تدريجية مدروسة، والبحث عن أهل العلم والاختصاص، ثم التوجه إلى الله بالدعاء لكسب التوفيق والقبول، مستدلاً بالآية الكريمة: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
واختتم الدكتور علي فخر حديثه بالإشارة إلى عقيدة المسلم الراسخة بأن النجاح لا يُعزى لذكاء البشر أو مهاراتهم الفردية فحسب، بل هو توفيق محض من التدبير الإلهي؛ لأن الفاعل الحقيقي في الكون هو الله سبحانه وتعالى مهما بذل الإنسان من جهد.
وساق أمين الفتوى ثلاثة مواقف قرآنية حاسمة تؤكد هذا المعنى الإيماني؛ وهي نجاة سيدنا إبراهيم من النار التي لم تحرقه، وقصة الذبح مع سيدنا إسماعيل حين لم تقطع السكين، وحفظ سيدنا يونس في بطن الحوت، تفعيلاً للآية الكريمة: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ التي تزرع في قلوب المؤمنين الطمأنينة واليقين.














0 تعليق