نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ثريا أحمد البدوي تكتب: جهاز مستقبل مصر والتنمية المستدامة.. نحو قانون يصنع الوفرة, اليوم الجمعة 10 يوليو 2026 07:00 مساءً
في لحظة تحتاج فيها الدولة المصرية إلى تعظيم مواردها، وتوسيع قدرتها الإنتاجية، وتقليل انكشافها أمام اضطرابات الأسواق الدولية، يأتي مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بوصفه خطوة تشريعية كاشفة عن انتقال مهم في فلسفة إدارة التنمية: انتقال من منطق المشروعات المتفرقة إلى منطق المؤسسة القادرة على التخطيط والتنفيذ والتشغيل والاستثمار، ومن إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى إدارة القضية وبناء القدرة الوطنية قبل حدوثها.
ولذلك لا ينبغي قراءة هذا المشروع بشكل ضيق باعتباره مجرد إعادة تنظيم إداري لجهاز قائم، ولا أن يختزل في جدل التبعية أو الصلاحيات، بل يجب أن يقرأ في سياقه الوطني الأوسع: سياق الأمن الغذائي، وتعظيم أصول الدولة، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وربط الزراعة بالتصنيع والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية، وتحويل الأرض والمياه والبنية الأساسية إلى قيمة إنتاجية حقيقية يشعر بها المواطن في غذائه وعمله واستقرار معيشته.
وقد وافقت اللجنة البرلمانية المشتركة نهائيا على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يوم ٩ يوليو ٢٠٢٦، في إطار مناقشات موسعة، على مدار يومين، شاركت فيها هيئات مكاتب عدد من اللجان النوعية وممثلو الوزارات والجهات المعنية، وهو ما يؤكد أن المشروع خضع لنقاش تشريعي وسياسي واقتصادي يعكس أهمية الموضوع وحساسيته.
ولعل القيمة الكبرى لهذا المشروع أنه ينقل جهاز مستقبل مصر من كيان تنفيذي نشأ لخدمة مشروعات زراعية وتنموية محددة، إلى إطار قانوني أوسع يتيح له إدارة وتنفيذ مشروعات كبرى بكفاءة أعلى، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، والعمل ضمن بيئة أكثر انتظاما ووضوحا.
وقد نصت التغطيات المنشورة لمشروع القانون على أن الجهاز المنشأ بقرار رئيس الجمهورية رقم ٥٩١ لسنة ٢٠٢٢ يعاد تنظيمه بما يمنحه استقلالا إداريا وماليا في إطار مدني جديد، وبما يعزز مساهمته في تنفيذ المشروعات القومية والتنموية ودعم الاقتصاد الوطني.
ومن المهم هنا أن نضع النقاش في حجمه الحقيقي. فمستقبل مصر لم يعد مجرد مشروع استصلاح أو زراعة، بل أصبح يرتبط بسلاسل إنتاج كاملة، تبدأ من الأرض والمياه والبذور والري، وتمتد إلى الصوامع والثلاجات والتجفيف والتعبئة والتصنيع والتسويق والتصدير.
وفي المرحلة الأولى من مدينة مستقبل مصر الصناعية، تشير البيانات الرسمية إلى إنشاء صوامع بطاقة تخزينية إجمالية ٥٠٠ ألف طن، وإلى مصنع أعلاف بطاقة إنتاجية ١٥٠ ألف طن سنويا وإيرادات متوقعة ٢.٥ مليار جنيه سنويا، فضلا عن مشروعات تبريد وتجميد وفرز وتعبئة ومجففات تعزز القيمة المضافة للمنتج الزراعي المصري.
ولست ضد الانتقاد فهو حق، ولكن يجب أن يستند النقد الوطني الجاد والبناء إلى النص بعد تعديله، لا إلى التخوف من النص قبل مراجعته. ومن هنا فإن بعض الانتقادات التي وجهت إلى المشروع كانت مفيدة لأنها دفعت إلى مزيد من الضبط التشريعي، لكنها بعد التعديلات الأخيرة لم تعد صالحة للاستمرار بنفس الصيغة.
قيل إن الجهاز سيكون فوق الرقابة، فجاء الرد التشريعي واضحا بتعزيز الرقابة البرلمانية على المسائل ذات الأثر العام، وبخاصة ما يتعلق بإنشاء مناطق التنمية المستدامة.
وقيل إن المشروع قد يفتح بابا لمزايا مالية أو ضريبية استثنائية، فجاءت المناقشات لتحذف النص المثير للجدل، بما يغلق باب الالتباس ويؤكد أن الغاية ليست منح امتيازات مجانية، بل بناء كيان قادر على تحقيق عائد اقتصادي وتنموي للدولة والمواطن.
وقيل إن المشروع قد يزاحم القطاع الخاص، والحقيقة أن فلسفة القانون، إذا أحسن تطبيقها، تقوم على العكس تماما: فهي لا تؤسس لبديل عن القطاع الخاص، بل لمنصة تنموية تهيئ الأرض والبنية الأساسية وسلاسل الإمداد، ثم تفتح الباب أمام الشراكات والاستثمار والإنتاج. والدليل العملي أن المشروعات الكبرى ذات الصلة بمستقبل مصر شهدت مشاركة واسعة من الشركات والقطاع الخاص، وأن الدولة باتت تنظر إلى التنمية بوصفها شراكة وطنية منظمة.
وقيل إن اتساع الاختصاصات يثير القلق، والرد أن طبيعة التنمية الحديثة لم تعد تقبل الفصل المصطنع بين الزراعة والصناعة والنقل والتجارة والتخزين والطاقة والمياه. فالقمح لا يصبح أمنا غذائيا بمجرد زراعته، بل حين توجد منظومة ري مستدامة، وحصاد منظم، وصوامع آمنة، ونقل سريع، وتصنيع غذائي، وسياسة تسعير وتوريد، واحتياطي استراتيجي. ومن ثم فإن اتساع الاختصاصات ليس خطرا في ذاته، بل الخطر هو أن تبقى المشروعات القومية الكبرى موزعة بين جزر إدارية منفصلة لا يجمعها إطار قانوني واحد.
وقيل إن تبعية الجهاز لرئيس الجمهورية تعني مركزية مفرطة، والحقيقة أن المشروعات العابرة للقطاعات، التي تمس الغذاء والمياه والطاقة والأرض والاستثمار، تحتاج إلى مستوى عال من التنسيق بين أجهزة الدولة. وليس المطلوب هنا مركزية بلا ضوابط، وإنما تنسيق أعلى مع رقابة أوضح، وسرعة في القرار مع شفافية في النتائج، ومرونة في التنفيذ مع التزام بالقانون. وهذه هي المعادلة التي يجب أن نتمسك بها في كل تشريع تنموي كبير.
أما التخوف من ملف البيانات، فيجب التعامل معه بعقلية الدولة الحديثة، فلا تنمية بلا بيانات، ولا تخطيط بلا معلومات، ولكن في الوقت نفسه لا يجوز أن تكون البيانات بابا مفتوحا بلا ضوابط. ولهذا فإن أي تعامل مع البيانات يجب أن يبقى مقيدا بقوانين حماية البيانات الشخصية، ومتطلبات الأمن القومي، وحدود الغرض التنموي المشروع.
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية هذا القانون للوطن في أنه يمنح الدولة أداة أكثر قدرة على تحويل أصولها إلى عوائد، ومشروعاتها إلى إنتاج، واستثماراتها إلى قيمة مضافة. وهذه هي فلسفة الجمهورية الجديدة: أن تكون التنمية ملموسة، وأن يتحول الإنفاق إلى عائد، وأن تتحول الأصول إلى قوة اقتصادية.
أما أهمية المشروع للمواطن، فهي أوضح من أن تختزل في المصطلحات القانونية، حيث يريد الشعب غذاء متاحا، وسعرا أكثر استقرارا، وفرصة عمل حقيقية، وخدمة أفضل، وثقة في أن الدولة تفكر في المستقبل لا في اليوم وحده. ولذلك فأن كل فدان يستصلح بكفاءة، وكل صومعة تنشأ، وكل مصنع يعظم القيمة المضافة، وكل شراكة تجذب استثمارا جادا، هو في النهاية خطوة نحو حياة أكثر أمنا واستقرارا.
ومن الناحية الاقتصادية، نحن أمام مشروع قانون يفتح الباب أمام تخفيض نسبي في الواردات، وزيادة القدرات التخزينية، وتوسيع التصنيع الزراعي، وتوطين صناعات كانت الدولة تفقد جزءا كبيرا من عائدها لصالح الاستيراد أو الفاقد أو ضعف التصنيع.
ومن الناحية السياسية، نحن أمام رسالة مفادها أن الدولة لا تترك ملف الأمن الغذائي لتقلبات الخارج، ولا تترك أصولها بلا إدارة، ولا تترك المواطن في مواجهة موجات الأسعار دون بناء أدوات تدخل وإنتاج واحتياطي.
ومن الناحية التشريعية، فإن المشروع يضع أمامنا نموذجا مهما: تشريع اقتصادي تنموي لا يكتفي بعبارات عامة، بل ينظم كيانا قادرا على إدارة مشروعات ضخمة، مع ضرورة استمرار البرلمان في أداء دوره الرقابي عند التطبيق.
ولذلك أرى أن الموافقة على القانون ليست نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية أكبر: مسؤولية متابعة التنفيذ، وقياس العائد، ومراقبة الحوكمة، والتأكد من أن الشراكات تتم بشفافية، وأن الأصول تدار لصالح الدولة والمواطن.
خلاصة القول، هذا المشروع هو محاولة لبناء ذراع تنموية وطنية قادرة على أن تجعل من الأرض إنتاجا، ومن التخزين أمانا، ومن التصنيع قيمة مضافة، ومن الاستثمار شراكة، ومن التنمية خدمة مباشرة للمواطن.
ومن هنا يتمثل جوهر المشروع في فكرة الدولة المنتجة، الدولة التي تحمي غذاءها، وتصون أصولها، وتستثمر في مستقبل أبنائها.
ومصر التي تواجه تحديات كثر قادرة على بناء قدرة إنتاجية مستدامة، ولكنها في الوقت نفسه لا تقبل تنمية بلا رقابة، ولا مرونة بلا حوكمة، ولا استثمارا بلا عدالة في العائد.
ولذلك فإن الطريق الصحيح هو دعم المشروع بعد ضبطه، ومتابعة تطبيقه بصرامة، وشرح أهدافه للمواطنين بوضوح، حتى يعرف الناس أن مستقبل مصر ليس مجرد اسم لجهاز، بل عنوان لسياسة وطنية تريد أن تنتقل بالبلاد من اقتصاد رد الفعل إلى اقتصاد القدرة، ومن إدارة الاحتياج إلى صناعة الوفرة، ومن انتظار الأزمة إلى بناء المستقبل.














0 تعليق