كيف ننتظر نتائج مختلفة؟!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف ننتظر نتائج مختلفة؟!, اليوم الاثنين 13 يوليو 2026 01:00 مساءً

لا يختلف اثنان على أن مصر واجهت ظروفًا استثنائية؛ من جائحة عالمية إلى اضطرابات إقليمية وضغوط اقتصادية خارجية، لكن وجود هذه التحديات لا يمنع من تقييم السياسات الداخلية، ولا يعفي أي حكومة من مراجعة أدواتها إذا لم تحقق النتائج المأمولة.


فإذا أرادت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي أن تجري تقييمًا حقيقيًا لتجربتها، فلا تحتاج إلى خطابات مطولة، وإنما إلى قراءة صريحة للموازنة العامة. فالأرقام لا تجامل أحدًا، وهي التي تجيب عن السؤال الأهم: 

هل أصبح الاقتصاد أكثر إنتاجًا؟ وهل توسعت القاعدة الصناعية؟ وهل ازداد عدد المشروعات التي نجحت واستمرت؟ وهل أصبح المستثمر يفتح مشروعه بسهولة أكبر؟ وهل يشعر المواطن بأن مستوى معيشته تحسن بالقدر الذي يوازي ما تحمله من أعباء؟


حين تضيق الموارد، لا تُختبر قوة الدول بقدرتها على تحصيل المزيد من الأموال، وإنما بقدرتها على إدارة ما لديها بكفاءة أعلى. فالحكومات الرشيدة تبدأ بنفسها قبل أن تبدأ بجيوب مواطنيها، وتراجع إنفاقها قبل أن تراجع دخول الناس، وتغلق أبواب الهدر قبل أن تفتح أبواب الرسوم.


أما نحن، فبعد سنوات طويلة من السياسات الاقتصادية المتعاقبة، يحق للمواطن أن يطرح السؤال الذي لا ينبغي لأحد أن يغضب منه: ماذا كانت الحصيلة؟
 

لقد اعتادت الحكومة أن تلجأ إلى الأدوات نفسها كلما واجهت ضغوطًا مالية؛ زيادة أسعار الوقود والكهرباء والمياه والخدمات، إعادة هيكلة الدعم، فرض رسوم جديدة أو زيادة رسوم قائمة، التوسع في الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وتعديل قيم العديد من الخدمات الحكومية، إلى جانب الاعتماد على الاقتراض لتمويل احتياجات الموازنة والاستثمارات العامة.


قد تكون لكل أداة مبرراتها في ظروف معينة، لكن المشكلة ليست في استخدامها مرة، وإنما في تحولها إلى النهج شبه الدائم لإدارة الأزمة.


وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله: إذا كانت الأدوات هي نفسها، فلماذا ننتظر نتائج مختلفة؟
يكفي أن تنظر الحكومة إلى الموازنة العامة للدولة. كم ارتفع حجم الدين العام خلال السنوات الماضية؟ وكم أصبحت خدمة الدين تستحوذ على جانب كبير من الإنفاق العام؟ 

وكم تذهب المليارات لسداد الفوائد والأقساط، مقارنة بما يوجه إلى التعليم والصحة والبحث العلمي والإنتاج؟ وهل استطاعت هذه السياسات أن تخفف العبء عن المواطن، أم أن المواطن أصبح الطرف الذي يتحمل النصيب الأكبر من كلفة التصحيح الاقتصادي؟

 

ثم سؤال آخر لا يقل أهمية: هل راجعت الحكومة إنفاقها بالصرامة نفسها التي راجعت بها إنفاق الأسر المصرية؟ هل تقلصت المصروفات غير الضرورية؟ وهل أُغلقت منافذ الهدر كافة؟ وهل خضعت كل جهة للمراجعة والمساءلة قبل مطالبة المواطن بمزيد من التضحيات؟

 

إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس فقط بزيادة الإيرادات، بل بجودة هذه الإيرادات. فهناك فرق بين دولة تنمو لأنها تنتج، ودولة تزيد دخلها لأنها تفرض مزيدًا من الرسوم والضرائب. الأولى تبني اقتصادًا قادرًا على الاستمرار، والثانية قد تحقق حصيلة آنية، لكنها تخاطر بإضعاف الاستثمار والإنتاج إذا أصبحت الأعباء تتزايد دون إصلاحات موازية في بيئة الأعمال وكفاءة الإنفاق.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، والعدل هنا يقتضي أن تتوزع أعباء الإصلاح بصورة منصفة، وأن تبدأ الدولة بنفسها قبل أن تطلب من مواطنيها مزيدًا من التحمل.


إن الدولة العظيمة لا تقيس نجاحها بما تحصل عليه من المواطن، بل بما تمكنه من إنتاجه. ولا تُبنى الاقتصادات بكثرة الجباية، وإنما بكثرة المصانع، والمزارع، والشركات، والمبتكرين، والمصدرين.

 

ولهذا فإن اللحظة الراهنة تحتاج إلى تحول في الفلسفة، لا إلى تعديل في الأرقام فقط. تحتاج إلى اقتصاد يقوده الإنتاج قبل التحصيل، والاستثمار قبل الرسوم، وتبسيط الإجراءات قبل فرض أعباء جديدة، ومراجعة الإنفاق العام قبل مطالبة المواطن بجولة جديدة من الصبر.

فالسؤال الذي ينتظر المصريون إجابته ليس: ما الرسوم الجديدة؟ ولا: كم سترتفع الأسعار؟ بل هو سؤال أبسط وأعمق: متى يصبح النمو الحقيقي هو المصدر الأساسي لزيادة إيرادات الدولة، بدلًا من أن يبقى جيب المواطن هو الخيار الأسهل كلما اشتدت الأزمة؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق