نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من
الهيمنة
المالية
إلى
اختلاف
النظم, اليوم الأحد 26 يوليو 2026 12:25 مساءً
تلقيت الأسبوع الماضي سؤالين قمت بالإجابة عنهما بصورة مستقلة، وأود اليوم مشاركة قراء جريدة وموقع فيتو هاتين الإجابتين، لاعتقادي أن هناك كثيرًا من القراء الذين يمكن أن يكونوا مهتمين، أو يمكنهم أن يتعرفوا على هذه المفاهيم الخاصة، والتي قد يكونون على غير علم أو دراية بها، فتكتمل الفائدة.
السؤال الأول جاء من أحد طلاب الماجستير في السياسات العامة، وهو يدرس مادة (المالية العامة)، وواضح أن مفهوم الهيمنة المالية (Fiscal Dominance) قد أتى في معرض ورقة علمية طلب الأستاذ منهم شرحها، ولما استعصى فهمها على الطالب النجيب، أرسل إليَّ يسألني عنها، وعن أمثلة لها.
وها هي الإجابة: الهيمنة المالية هي تعبير عن حالة اقتصادية على مستوى الاقتصاد الكلي، تتغلب فيها متطلبات والتزامات السياسة المالية (احتياجات الحكومة لتمويل العجز وسداد الديون) على أهداف السياسة النقدية (إدارة التضخم واستقرار العملة).
في الحالات العادية، عادة ما يكون هناك نوع من الهيمنة النقدية، ذلك حين يعمل البنك المركزي بشكل مستقل، ويحدد أسعار الفائدة بناءً على هدفه في كبح التضخم واستقرار الأسعار.
أما في حالة الهيمنة المالية، فإن حجم الدين الحكومي وعجز الموازنة المرتفع يصبحان القيد الأساسي الذي يُكبل قرارات البنك المركزي، مما يجعله -عمليًا- تابعًا للمالية العامة.
كيف تتجسد الهيمنة المالية في الاقتصاد المصري؟
تتأثر المنظومة الاقتصادية في مصر بهذه الظاهرة من خلال عدة ديناميكيات متداخلة:
1- الحلقة المفرغة بين رفع الفائدة وخدمة الدين..
عندما يرتفع التضخم، يحتاج البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة لامتصاص السيولة. ولكن لأن الحكومة هي المقترض الأكبر في السوق المحلي (عبر إصدار أذون وسندات الخزانة)، فإن كل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة تتسبب في إضافة عشرات المليارات من الجنيهات إلى فاتورة خدمة الدين (الإنفاق على الفوائد) في الموازنة العامة.
تؤدي هذه الزيادة إلى توسيع عجز الموازنة مجددًا، مما يضطر الحكومة للاقتراض بنسب أكبر، أو الضغط على السياسة النقدية، وبالتالي إعادة تغذية التضخم مرة أخرى بدلًا من كبحه.
2- مزاحمة القطاع الخاص (Crowding-out)..
تتجه البنوك الوطنية والمحلية لإقراض الحكومة كخيار آمن وعالي العائد (عبر شراء أدوات الدين الحكومية). ولكن يتسبب ذلك في تقليص المساحة الائتمانية والتمويلية المتاحة للقطاع الخاص والاستثمار الإنتاجي، مما يعطل نمو الأنشطة التي تولد قيمة مضافة وحصيلة دولارية حقيقية.
3- تقييد استقلالية قرارات البنك المركزي..
في مثل هذه الحالات، يصبح البنك المركزي أمام معضلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية برفع الفائدة للسيطرة على التضخم، مما يُرهق الخزانة العامة، أو التغاضي عن مستهدفات التضخم وتيسير السياسة النقدية لتسهيل اقتراض الحكومة وتخفيف تكلفة دينها، وهو ما يضر بالثقة في العملة الوطنية.
4- الضغوط التضخمية الهيكلية..
تحت الهيمنة المالية، ينظر المستثمرون والأسواق إلى حجم الدين والعجز المتزايد باعتباره مؤشرًا على أن الحكومة قد تلجأ في النهاية إلى طباعة النقد (Monetization of Debt) أو خفض قيمة العملة. هذا التصور يرفع من توقعات التضخم المستقبلية لدى الأفراد والشركات، مما يُصعّب من مهمة البنك المركزي في ترسيخ استقرار الأسعار.
لذا السؤال الأهم في هذه الحالة:
كيف يخرج الاقتصاد من فخ الهيمنة المالية؟
للتحول نحو اقتصاد إنتاجي مستقر، يتطلب الأمر حزمة إجراءات إصلاحية، أهمها: الضبط المالي الصارم (Fiscal Discipline)، عن طريق خفض عجز الموازنة الأولي، ووضع سقف دستوري أو قانوني ملزم لإجمالي الدين العام إلى الناتج المحلي.
إطالة أمد الدين وتخفيض تكلفته: استبدال الديون قصيرة الأجل مرتفعة التكلفة بأدوات تمويلية طويلة الأجل، أو مبادلة الديون باستثمارات أصلية.
تعزيز الاستقلالية الفعلية للبنك المركزي: حظر التمويل المباشر أو غير المباشر لعجز الخزانة، لتركيز أدوات السياسة النقدية بالكامل على استهداف التضخم.
أما السؤال الثاني الذي أتاني من صديق عزيز وخبير، بل عالم متميز في إدارة الموارد المائية من زملائنا في الخارج، فهو:
كيف تختلف طبيعة الفساد بين النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، وأي النظامين أسهل في مقاومة الفساد؟
وها هي الإجابة التي تم إرسالها: الفساد في الاشتراكية يأتي من السلطة، فالحزب الحاكم لو فسد من القمة لا يمكن مقاومته، أما لو فسد من السلطات الأقل، فيسهل القضاء عليها لو الإرادة الحقيقية الموجبة للقمة موجودة.
أما الفساد في الرأسمالية فيأتي من رأس المال أو تزاوج المال بالسلطة عن طريق اللوبيات والرشاوى.. إلى آخره. لذا فالفساد غالبًا ما يبدو مقننًا.
ولشرح أعمق، ولأنه لا توجد إجابة واحدة قاطعة، فإن الاختلاف يعود إلى جذور الفساد وطريقة ظهوره في كل نظام.
في النظام الرأسمالي، عادة ما يتسلل المال إلى صناعة القرار. يستطيع أصحاب رؤوس الأموال والأثرياء التأثير على السياسات والقوانين عن طريق التبرعات الانتخابية، وجماعات الضغط (اللوبي)، والباب الدوار بين المناصب الحكومية، كما ذكرت في عدة مقالات من قبل.
ولكن في النظام الاشتراكي ينبع الفساد من احتكار السلطة في يد الحزب أو الدولة. يستغل المسؤولون مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية، ويُشكلون طبقة بيروقراطية أعلى ومتنفذة تستخدم المال العام لخدمة مصالحها. هذا الفساد هو تموضع للسلطة، حيث يصبح الوصول إلى المنصب وسيلة للثراء، ويكون على حساب العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة.
من ناحية المقاومة في النظام الاشتراكي: قوته تكمن في الإرادة السياسية العالية والقدرة على التحرك السريع؛ فهو يستطيع شن حملات شاملة وقوية من أعلى الهرم إلى أسفله. لكن ضعفه أنه إذا غابت هذه الإرادة من القمة، أو إذا أصبح الفساد جزءًا من هرم السلطة، يصبح من المستحيل تقريبًا محاربته، لأنه يفتقر إلى الرقابة الخارجية المستقلة.
في النظام الرأسمالي: قوته تكمن في آليات المراقبة، مثل الصحافة الحرة، والمعارضة، والقضاء المستقل نسبيًا، التي تستطيع فضح الفضائح. لكن ضعفه أن المال يشتري النفوذ بشكل نظامي، مما يجعل مقاومة فساد الأغنياء صعبة جدًا، لأنهم يستطيعون تغيير القوانين لحماية أنفسهم.
الخلاصة:
أن الفساد في الرأسمالية هو إمساك المال بزمام الحكم، بينما الفساد في الاشتراكية هو تحوّل الحكم إلى امتياز خاص. ولا يمكن الجزم بأن أيهما أسهل في المقاومة، لأن الاشتراكية تتفوق في العزيمة والتنفيذ السريع لكنها تعجز عن تقييد السلطة، بينما الرأسمالية تتفوق في أدوات الرقابة لكنها تعجز عن تقييد المال.
يمكن للقارىء التطبيق على الحالة المصرية من واقع الحال الذي يراه في معاملاتنا وأسلوب إدارة الاقتصاد..


















0 تعليق