نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف
خدعنا
أبناءنا
بأسطورة
كليات
القمة؟, اليوم الأربعاء 29 يوليو 2026 11:26 صباحاً
في كل عام، ومع إعلان نتيجة الثانوية العامة، تتكرر المشاهد نفسها: دموع الفرح هنا، ودموع الحسرة هناك، وأسر تعيش حالة من النشوة، وأخرى تشعر وكأن كارثة قد حلت بها. والأخطر من ذلك أن بعض الطلاب يدخلون في نوبات اكتئاب حادة، أو يفقدون الرغبة في الحياة، أو يقدمون على إيذاء أنفسهم، لأنهم لم يحققوا المجموع الذي كانوا يحلمون به، أو الذي حلم به آباؤهم لهم.
وهنا يفرض سؤال نفسه: هل تستحق الثانوية العامة كل هذا؟ وهل يعقل أن يتحدد مصير إنسان في امتحان استمر بضعة أيام؟
لقد صنع المجتمع، عبر سنوات طويلة، أسطورة اسمها كليات القمة، وجعل في مقابلها ما يشبه كليات القاع. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة إلى عقيدة اجتماعية، حتى أصبح الطالب الذي لا يلتحق بإحدى الكليات المشهورة يشعر بأنه فشل في الحياة قبل أن تبدأ، وأصبح كثير من الآباء والأمهات ينظرون إلى مجموع أبنائهم على أنه مقياس لمكانة الأسرة ونجاحها.
والحقيقة أن هذا التصنيف لا يستند إلى علم، بل إلى ثقافة اجتماعية تحتاج إلى مراجعة. فالكلية لا تصنع إنسانًا ناجحًا، وإنما الإنسان هو الذي يمنح كليته قيمة بما يحققه من علم وإبداع وإنجاز. كم من طبيب أو مهندس لم يترك أثرًا يذكر، وكم من خريج كلية أخرى يعتبرها الناس بسيطة أصبح رائدًا في مجاله، أو صاحب شركة ناجحة، أو مفكرًا، أو مبدعًا، أو شخصية عامة مؤثرة.
إن الثانوية العامة تقيس جانبًا محدودًا من قدرات الطالب، فهي تقيس أداءه في امتحان، لكنها لا تقيس الإبداع، ولا الذكاء الاجتماعي، ولا القدرة على القيادة، ولا المثابرة، ولا المرونة النفسية، ولا مهارات التواصل، وهي جميعًا عوامل ثبت أنها تلعب دورًا محوريًا في النجاح المهني والإنساني.
ولذلك لم تثبت الدراسات أن أوائل الثانوية العامة هم بالضرورة الأكثر نجاحًا في الحياة. نعم، قد يمتلك المتفوقون صفات إيجابية مثل الاجتهاد والانضباط، لكن النجاح بعد ذلك تحكمه عوامل كثيرة، أهمها القدرة على التعلم المستمر، والتكيف مع المتغيرات، واغتنام الفرص، والعمل الجاد، وحسن التعامل مع الناس.
ومن المؤسف أن بعض الطلاب يظلون أسرى نتيجة الثانوية العامة سنوات طويلة. يرفضون الكلية التي التحقوا بها، ويعيشون في حالة مقارنة دائمة مع زملائهم، وكأن حياتهم توقفت عند ذلك اليوم الذي أعلنت فيه النتيجة. والمشكلة هنا ليست في النتيجة، وإنما في تفسيرها.
فهناك فرق كبير بين أن يقول الإنسان: “لم أوفق في هذا الامتحان”، وبين أن يقول: “أنا فاشل”. الأولى تجربة يمكن تجاوزها، أما الثانية فهي حكم قاسٍ على الذات قد يقود إلى الإحباط والاكتئاب.
ولا يقل دور الأسرة خطورة عن دور المجتمع. فكثير من الآباء يحاولون تحقيق أحلامهم المؤجلة من خلال أبنائهم، فيختارون لهم الكلية التي تحقق لهم وجاهة اجتماعية، لا الكلية التي تناسب ميولهم وقدراتهم. وقد تكون النتيجة سنوات من الدراسة بلا شغف، ثم سنوات من العمل بلا رضا، لأن الاختيار لم يكن نابعًا من شخصية الطالب، وإنما من توقعات الآخرين.
كما أن المقارنات التي تشتعل بعد إعلان النتائج تمثل جرحًا نفسيًا عميقًا. فحين يسمع الطالب: “ابن عمك دخل طب”، أو “ابنة خالتك حصلت على مجموع أعلى”، فإنه لا يسمع مجرد مقارنة، بل يشعر وكأن قيمته الإنسانية أصبحت أقل من غيره. والحقيقة أن كل إنسان له طريقه الخاص، وأن المقارنة العادلة الوحيدة هي مقارنة الإنسان بنفسه، لا بالآخرين.
وفي المقابل، ينبغي أن ننظر إلى النتيجة بوصفها بداية مرحلة جديدة، لا نهاية الطريق. فالطالب يستطيع أن يصنع مستقبله في أي كلية إذا امتلك الشغف، وطوّر مهاراته، وأتقن اللغات، واستثمر التكنولوجيا، واستمر في التعلم. لقد تغير العالم، ولم يعد اسم الكلية وحده هو مفتاح النجاح، بل أصبحت الكفاءة والمهارة والابتكار هي العملة الحقيقية في سوق العمل.
رسالتي إلى أولياء الأمور: أحبوا أبناءكم قبل النتيجة وبعدها، ولا تجعلوا محبتكم مشروطة بدرجاتهم. احتضنوهم إذا تعثروا، وشاركوهم البحث عن الطريق الأنسب، ولا تحولوا يوم إعلان النتيجة إلى يوم للمحاسبة أو إصدار الأحكام.
ورسالتي إلى الطلاب: لا تسمحوا لرقم في شهادة أن يحدد قيمتكم أو يرسم مستقبلكم. قد يغير المجموع اسم الكلية التي ستدخلونها، لكنه لا يستطيع أن يحدد حجم أحلامكم، ولا مقدار نجاحكم، ولا مكانتكم في الحياة.
الثانوية العامة محطة مهمة، لكنها ليست المحطة الأخيرة، وليست حكمًا بالمؤبد. أما النجاح الحقيقي، فيبدأ عندما يؤمن الإنسان بنفسه، ويواصل التعلم، ويجتهد فيما بين يديه، ويحول كل فرصة إلى بداية جديدة.


















0 تعليق