نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف يغير أبناء المصريين صورة الجالية في أمريكا؟, اليوم الأحد 9 أغسطس 2026 01:56 مساءً
في بلاد العام سام، ينشأ جيل جديد من أبناء الجالية المصرية يختلف في رؤيته ومراميه عن جيل الآباء. فبينما اغترب الجيل الأول بحثًا عن الاستقرار المهني والأمان الاقتصادي، نجد أبناء الجيل الثاني ينطلقون نحو أفق أرحب، محركهم الأساسي هو الشغف بالأثر المجتمعي والخدمة العامة، لا مجرد التراكم المالي أو الألقاب الوظيفية البراقة.
ولأنى من الطيور التي هاجرت وعدت مؤخرا إلى المحروسة فلابد وأن أعترف بأننى لمست هذا التحول الوجداني والفكري بوضوح جليّ في بيتي؛ فلديّ ابنة تنتمي إلى ذات هذا الجيل وولدت في ولاية مجاورة لميتشجن (الينوى) في نفس العام الذى شهد ميلاد الطبيب السياسى الآن (أبدول) أو الدكتور عبد الرحمن السيد.
حينما كانت إبنتي صغيرة كنت أرسلها وأخوتها إلى المحروسة وأحيانا كثيرة كنت لا أرافقهم لأني كنت مشغول بالتدريس في فصل الصيف حتى أوفر لها ولأخوتها نفقات السفر والتمتع في المحروسة برحلات شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا والغردقة.
كانوا يقيمون مع والدتى في كليوباترا أو في شقتى الصغيرة في ميامى بالقرب من البحر (وفى هذا كانوا أسعد حالا من عبدول)، وارتبطت المحروسة في ذهنهم بالفسحات والبحر والسينمات..الخ. ولكن الشيء المشترك أنهم أيضا رأوا الفارق الاقتصادي ونمت لديهم الرغبة في تغيير حال المجتمع إلى الأفضل.
فبعد أن أتمت (ريم) دراستها القانونية بتفوق واجتازت اختبارات المحاماة الصارمة من أول مرة، وعملت لمدة ستة أشهر في واحدة من أكبر وأعرق الشركات الاستشارية والقانونية في ولاية أوهايو، لم تعجبها البيئة الحاضنة وما يعترى صغار شباب المحامين حينما تمتلأ حساباتهم البنكية بعشرات بل بمئات الألاف من الدولارات من إستهتار يجرهم إلى المخدرات والمقامرة وحياة المجون..
فقررت بملء إرادتها أن تعتزل هذا العالم الاستثماري المرموق، وآثرت الانحياز للخدمة العامة والعمل المجتمعي، فسعت إلى الحصول على ماجستير في إدارة القطاع الصحي، وتعمل الآن مديرة تنفيذية لأحدى منظمات المجتمع المدنى غير الهادفة للربح، والتي تسعى إلى التغطية الصحية الشاملة لجميع المواطنين، إيمانًا منها بأن القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بما يقدمه لمحيطه وناسه، لا بما يحققه من مكاسب خاصة.
إن الجيل الثاني من المصريين اليوم يكسر القالب المتحفظ للجيل الأول، فهو يمزج بين الرصانة الأكاديمية أو المهنية التي ورثها عن الآباء، وبين الشجاعة المدنية والنزوع نحو العمل العام والسياسة والصحة العامة.
من هو عبدول؟
ومن قلب هذا الجيل الصاعد، يبرز اسم الدكتور عبد الرحمن محمد السيد (عبدول)، كنموذج مجسّد لهذه الروح الجديدة. ولد عبد الرحمن في ولاية ميشيجان عام 1984 لأب مصري هاجر إلى الولايات المتحدة، ونشأ في ضواحي ديترويت.
كبر عبد الرحمن ليصبح طبيبًا وباحثًا مرموقًا في علم الأوبئة، وتولى إدارة الصحة في مقاطعة "واين" بميشيجان بين عامي 2023 و2025. ولم تكن مسيرته مجرد تدرج وظيفي، بل كانت محاولة دائمة لترجمة العلم إلى خدمة مجتمعية تنفع الناس.
ومنذ أقل من أسبوع ( في أغسطس 2026 )، حقق عبد الرحمن انتصارًا سياسيًا لافتًا بفوزه بفارق ضئيل (48.5٪ مقابل 47.5٪) في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية على منافسته النائبة هايلي ستيفنز، المدعومة من المؤسسة الحزبية التقليدية.
وجاء هذا الفوز التاريخي بعد أن استطاع الصمود أمام إنفاق انتخابي هائل تجاوز 60 مليون دولار، تدفق معظمه من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) والمجموعات المؤيدة لإسرائيل. واليوم، يتطلع عبد الرحمن إلى الانتخابات العامة في نوفمبر 2026 لمواجهة المرشح الجمهوري مايك روجرز؛ وإذا ما تحقق له الفوز، فسيدخل التاريخ كأول مسلم يطأ سدة مجلس الشيوخ الأمريكي.
هل سيتربع على عرش الحزب الديمقراطي خلال ثلاث سنوات؟
بعد أن أثار جى دى فانس (نائب الرئيس ترامب) المخاوف بشأن أن يتولى النائب الذى لم يدخل المجلس بعد سدة حكم أمريكا بعد 3 سنوات، فأن التساؤلات حول ما إذا كان عبد الرحمن السيد قادرًا على تصدر قيادة الحزب الديمقراطي بحلول عام 2029. في الحقيقة قراءة واقعية للمشهد السياسي الأمريكي تدعونا للتروى والتريث.
فأولًا، لا يزال الطريق إلى مجلس الشيوخ محفوفًا بعدم اليقين؛ إذ تظهر استطلاعات الرأي تباينًا حادًا؛ فبينما يمنحه استطلاع "إيمرسون" تقدمًا مريحًا يصل إلى 15 نقطة، تشير استطلاعات أخرى مثل "غلينغاريف" و"إيبيك إم آر إيه" إلى تراجعه أمام روجرز بفارق يتراوح بين 3 و10 نقاط، لا سيما في أوساط الناخبين المستقلين وكبار السن من الناخبين السمر.
كما أن منصة التنبؤات "بريديكشن إيدج" تمنحه حظوظًا تعادل 57٪ فقط، رغم صعوده في نماذج أخرى إلى 96٪.
وثانيًا، فإن فوز عبد الرحمن لا يعني السيطرة على الحزب الديمقراطي؛ فهو ينتمي إلى الجناح التقدمي الشاب المدعوم من بيرني ساندرز وألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، بينما تظل مفاصل الحزب التقليدية ومصادر تمويله بيد التيار الوسطي والمؤسسي الذي تمثله شخصيات مثل حاكمة الولاية غريتشن ويتمر وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر.
الحزب يعيش حالة مخاض وصراع داخلي بين التيارين. والسيناريو الأكثر تفاؤلا وأقل أحتمالا أنه بحلول عام 2029 ممكن أن يصبح عبد الرحمن -على غرار تجربة زهران ممداني في نيويورك- صوتًا قياديًا بارزًا للجناح اليساري والمرشحين التقدميين، وربما اسمًا مطروحًا فقط في سباق الرئاسة لعام 2028، دون أن يعني ذلك أي انفراد بقلب الحزب أو مشاركته في القيادة.
بين حنين الإسكندرية ونقد السياسة: وجدان عبد الرحمن وتوازناته
يحمل عبد الرحمن في وجدانه ارتباطًا عاطفيًا عميقًا بمصر؛ فقد كانت إجازاته الصيفية -كما يعرف الجميع الأن- في طفولته وشبابه برفقة عائلة والده في الإسكندرية وبالتحديد في سوق السمك بالأنفوشى، وكان ذلك بمثابة نافذة على حياة كان يمكن أن يعيشها.
وقد صرّح مرارًا بأن الفجوة الحادة في متوسط العمر المتوقع بين أمريكا ومصر -والتي تصل إلى عشر سنوات- كانت المحرك الأساسي لشغفه بالصحة العامة ودخوله معترك السياسة.. ولعل القارىء سيتعجب أن رسالة الدكتوراه في الإقتصاد الخاصة بالعبد لله كان عنوانها: وفيات الأطفال والرضع في مصر: منهج المحددات الاقتصادية التقريبية.
كيف تتعامل المحروسة مع هذا الجيل الصاعد؟
إن صعود عبد الرحمن السيد وأقرانه من الجيل الثاني يمثل فرصة استراتيجية طويلة الأمد لمصر، شريطة أن تُدار بعقلانية وبصيرة نافذة. وفيما يلي عدد من التوصيات العملية لصناع القرار في القاهرة:
1- الابتعاد عن الاستقطاب والمبالغة: تجنب الاحتفاء المفرط به أو محاولة تصويره كـ "مبعوث مصري"، لأن ذلك قد يُستغل ضده في الداخل الأمريكي كتدخل أجنبي، وهو ملف حساس للغاية في ظل الجدل القائم حول التمويل الانتخابي.
2- بناء جسور هادئة: تفعيل الدبلوماسية الشعبية وقنوات التواصل غير الرسمية عبر الجاليات ومؤسسات المجتمع المدني في ميشيجان، بدلًا من الاتصال الحكومي المباشر الذي قد يثير الريبة لدى القواعد الانتخابية.
3- التعامل بمهنية مع الانتقادات: استيعاب مواقفه النقدية دون ردود فعل رسمية غاضبة؛ فالصدام الرسمي لن يؤدي إلا لمنحه زخمًا إضافيًا كصوت أمريكي مستقل يواجه ضغوطًا خارجية.
4- الإصلاح المؤسسي كأفضل رد: تعزيز ملف حقوق الإنسان والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في الداخل؛ فالنقد القادم من أبناء الجاليات يعتمد على واقع مسموع لا على مناكفات عابرة.
5- الاستثمار في المستقبل: بناء علاقة ممتدة مع الجيل الأمريكي الجديد من أصول عربية ومسلمة (أمثال عبد الرحمن السيد وزهران ممداني)، باعتبارهم النخبة القادمة في صنع القرار الأمريكي خلال العقود المقبلة.
6. التريث والتحلي بالحكمة: الانتظار حتى حسم انتخابات نوفمبر 2026 وقراءة النتائج بدقة قبل اتخاذ أي خطوات استراتيجية موجهة.


















0 تعليق