نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل المشهد الإعلامي يليق بمصر؟, اليوم الخميس 13 أغسطس 2026 12:58 مساءً
السؤال طرحه الدكتور النائب رضا عبد السلام.. وأجاب بالنفي قطعا.. فلماذا؟! ثمة أسئلة لا تُطرح طلبًا لإجابة عابرة، وإنما بحثًا عن إجابة تُوقظ الضمير. ومن بينها سؤال يبدو في ظاهره متعلقًا بالإعلام، لكنه في جوهره يتصل بصورة مصر عن نفسها، وبصورتها في عيون أبنائها والعالم: هل المشهد الإعلامي الذي نراه اليوم يليق بمصر؟ والإجابة، إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، ليست مريحة.
فمصر التي عرفت صحافة صنعت وعيًا، وأنجبت محمد حسنين هيكل، وأحمد بهاء الدين، ومصطفى وعلي أمين، وأحمد رجب، وأنيس منصور، ومصر التي قدمت على شاشتها أجيالًا من الإعلاميين تركوا أثرًا لا يُمحى، لا ينبغي أن ترضى بمشهد تصبح فيه كثرة المنابر بديلًا عن عمق الرسالة، وارتفاع الصوت بديلًا عن قوة الحجة، وحضور الشاشة بديلًا عن حضور الموهبة.
لقد كان حمدي قنديل نموذجًا للإعلامي الذي استطاع أن يجعل من الحوار التلفزيوني فعلًا ثقافيًا وسياسيًا، لا مجرد مساحة للكلام. وكان مفيد فوزي مدرسة خاصة في إدارة الحوار والاقتراب من الشخصيات العامة، حتى اختلف الناس حول أسلوبه ومواقفه.
كما قدم طارق حبيب حوارات ثرية مع مختلف الشخصيات والمشارب الفكرية، وكل من هؤلاء ترك بصمته بطريقته، وقدم نموذجًا يؤكد أن التلفزيون لا يصنع النجومية وحده؛ بل يصنعها الموهبة والحضور والثقافة والقدرة على الإمساك بخيط الحوار.
وفي المجال الحواري أيضًا ظهرت تجارب امتلك أصحابها قدرة استثنائية على الحضور والتأثير واستقطاب الجمهور، ومنهم الراحل وائل الإبراشي ولميس الحديدي التي قدمت نموذجًا للصحفية التلفزيونية القادرة على متابعة الملفات الاقتصادية والسياسية وإدارة النقاش العام. ويمكن أن نختلف مع هؤلاء أو نتفق، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن صناعة التأثير شيء، وصناعة الضجيج شيء آخر.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يكون السؤال: أين الجيل الجديد الذي يمكن أن نضعه إلى جوار هذه الأسماء بعد عشرين عامًا؟ ومن هم الوجوه التي ستصبح غدًا مرجعًا للناس كما أصبح هؤلاء جزءًا من ذاكرة الشاشة المصرية؟
هذه هي القضية الحقيقية.. فالناس لا تهجر الإعلام لأنه موجود، وإنما تهجره حين تفقد الثقة فيه. ولا تنجذب إلى الشاشة لمجرد أن فيها صورة وصوتًا، وإنما حين تجد صدقًا وموضوعية واتزانًا ومهنية وشخصية جديرة بالثقة.
ومن هنا فإن أزمة الإعلام ليست في نقص الأستوديوهات، ولا في قلة ساعات البث، ولا في غياب الإمكانات التقنية. الأزمة في مكان أعمق: من نختار؟ وكيف نختار؟ ولماذا نضع هذا في موقع التأثير ونحرم ذاك منه؟
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام أن تتحول الشهرة إلى معيار للكفاءة، وأن يصبح ارتفاع نسبة المشاهدة دليلًا وحيدًا على النجاح. فليس كل ما يجذب الناس يرتقي بهم، وليس كل ما يحقق الانتشار يصنع وعيًا. الإعلام صناعة تأثير، لكن التأثير بلا مسؤولية قد يتحول إلى عبء على المجتمع.
وهنا نستعيد المعنى القرآني البالغ الدلالة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾. فالإعلام أمانة؛ لأنه لا يخاطب آذان الناس فقط، بل يصوغ جزءًا من وعيهم، ويؤثر في أحكامهم ومواقفهم، وقد يزرع في المجتمع أملًا أو يضاعف فيه إحباطًا.
وقال النبي ﷺ: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». والمعنى شديد الصلة بكل عمل عام: حين يغيب معيار الكفاءة، لا يكفي حسن النية لإنقاذ المؤسسة.
ومصر ليست فقيرة في المواهب. هذه دولة تتجاوز المائة وعشرة ملايين نسمة، وفيها ملايين الموهوبين، ومئات الآلاف من أصحاب الخبرات في الإعلام والفن والثقافة والعلوم. ولذلك فإن السؤال ليس: هل لدينا إعلاميون موهوبون؟ وإنما: هل نبحث عنهم؟ وهل نعطيهم الفرصة؟ وهل نضع معيارًا عادلًا لاختيارهم؟
وهنا أقترح أن يبدأ الإصلاح من سؤال بسيط لم يأخذ حقه: هل سألنا المصريين فعلًا ماذا يريدون من إعلامهم؟ استطلاع علمي مستقل، لا يستهدف تبرير الواقع، بل اكتشافه: من يثق الناس به؟ لماذا يشاهدون برنامجًا ويتركون آخر؟ ما الذي يجذبهم؟ وما الذي ينفرهم؟ وما الموضوعات التي يريدون أن يناقشها الإعلام بعيدًا عن القوالب الجاهزة؟
ثم تبدأ عملية إعادة البناء: اكتشاف المواهب في الجامعات، إنشاء مسارات حقيقية لتأهيل الإعلاميين الشباب، إعادة الاعتبار للتحقيق والحوار والتحليل، توسيع مساحة الخبراء والمتخصصين، وربط التقدم المهني بالكفاءة والتأثير واحترام قواعد المهنة.
ولا بد أن يمتد الإصلاح إلى القوة الناعمة المصرية كلها. فالإعلام لا يعيش منفصلًا عن الفن والثقافة والتعليم والجامعة والبحث العلمي. مصر التي أنجبت أم كلثوم وعبد الحليم وفاتن حمامة ويوسف وهبي، كما أنجبت هيكل وبهاء الدين وقنديل، تستطيع أن تقدم للعالم أجيالًا جديدة من الفنانين والصحفيين والإعلاميين والمفكرين.
المسألة إذن ليست حنينًا إلى الماضي، وإنما ثقة في قدرة مصر على إنتاج المستقبل.. لقد مر المجتمع المصري بسنوات صعبة، وتعرضت مساحات كثيرة فيه للتراجع، لكن المجتمعات العريقة لا تُقاس بما فقدته فقط، وإنما بقدرتها على استعادة ما فقدته وإضافة ما لم يكن لديها.
مصر لا تحتاج إلى إعلام يصفق لها طوال الوقت، وإنما إلى إعلام يحبها بما يكفي ليقول الحقيقة، ويضع الإنجاز في حجمه، والخطأ في موضعه، ويمنح المواطن حقه في المعرفة دون تهويل أو تهوين.
نحتاج إلى إعلام لا يخاف من السؤال، ولا يستخف بعقل المواطن، ولا يحول الاختلاف إلى خصومة، ولا النقد إلى هدم، ولا التأييد إلى تملق.
وحين نعيد الاعتبار إلى الكفاءة، ونفتح الطريق أمام الموهبة، ونستعيد احترام المهنة، ونضع الشخص المناسب في المكان المناسب، سنكتشف أن الأزمة لم تكن يومًا في غياب المواهب، وإنما في أن كثيرًا منها لم يجد الطريق إلى الشاشة.
وعندها لن يكون السؤال: هل المشهد الإعلامي يليق بمصر؟ بل سيكون السؤال: هل استطعنا أن نصنع إعلامًا يليق بمصر التي نريدها؟
فمصر التي صنعت في الماضي هيكل وقنديل وبهاء الدين ومفيد فوزي، وقبلهم وبعدهم عشرات من أصحاب الأثر، ليست عاجزة عن صناعة جيل جديد. لكنها تحتاج إلى أن تبحث عنهم بجدية، وأن تمنحهم الفرصة، وأن تتوقف عن التعامل مع الإعلام باعتباره مجرد شاشة، فهو في الحقيقة جزء من عقل الأمة وضميرها وصورتها أمام العالم.
ومتى أدركنا ذلك، يصبح إصلاح الإعلام ليس ترفًا مهنيًا، وإنما مشروعًا وطنيًا لاستعادة الثقة وبناء المستقبل.. شتان بين مذيعي الأمس الذين تركوا بصمات لا تزال عالقة في وجدان الأمة ومذيعي اليوم الذين انفض الناس من حولهم بعد أن اكتشفوا خواءهم الفكري وتلونهم مع كل كل العصور فمنهم الشتام ومنهم الزاعق ومنهم المنافق الذي يضر بالدولة أكثر مما ينفعها؟!


















0 تعليق