نظام التفاهة.. لماذا لا يكفي الإصلاح؟ (الجزء الثاني)

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نظام التفاهة.. لماذا لا يكفي الإصلاح؟ (الجزء الثاني), اليوم الأربعاء 19 أغسطس 2026 12:23 مساءً

حين يصبح الإصلاح جزءًا من المشكلة

وتظهر خطورة ذلك بأوضح صورها في اللحظة الفلسطينية الراهنة، فغزة تحتاج إلى إعادة بناء معقدة، والضفة تواجه تحولًا متسارعًا في الجغرافيا والسياسة، والقضية الفلسطينية تحتاج إلى أدوات جديدة في السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والقانون والمقاومة المدنية. كل ذلك يحتاج إلى نخبة قادرة على التفكير خارج القوالب القديمة.

 

لكن هل يستطيع نظام اعتاد إنتاج النخبة وفق قواعد قديمة أنْ ينتج عقلًا سياسيًا جديدًا؟
إذا كانت المشكلة في نقص الكفاءات لكان الحل تدريب المزيد منها. أمّا إذا كانت المشكلة في عدم قدرة النظام على تحويل الكفاءة إلى سلطة ومسؤولية، فإنّ المسألة تصبح بنيوية، مما يُعقِّد معنى الإصلاح.

 

فالإصلاح يفترض أنّ النظام قادر على إصلاح نفسه. لكن ماذا لو كانت الأدوات التي نحتاج إلى إصلاحها هي نفسها التي تحدد من يملك قرار الإصلاح؟ وماذا لو كانت النخبة التي يُطلب منها تغيير قواعد اللعبة قد وصلت إلى مواقعها بفضل تلك القواعد؟ عندها يصبح الإصلاح مُعرضًا لأنْ يتحوّل إلى إعادة ترتيب للنظام، لا تغيير لمنطقه.

 

قد تتغير الوجوه، ويعاد توزيع المواقع، وتُنشأ لجان جديدة، وتُعلن برامج للمراجعة؛ لكن إذا بقيت الطريقة التي تُنتج بها الشرعية والنخبة والقرار على حالها، فإنّ البنية ستجد طريقها إلى إعادة إنتاج نفسها.

وهذا هو جوهر الدائرة المغلقة: البنية تُنتج النخبة، والنخبة تحمي البنية، ثم تصبح حماية البنية شرطًا لإعادة تدوير النخبة. لذلك لا ينبغي أنْ يكون السؤال الفلسطيني فقط: كيف نصلح الفصائل؟ بل: هل يكفي إصلاح الفصائل إذا كانت المشكلة أوسع من الفصائل نفسها؟

 

القوى الاجتماعية: من رافعة إلى جزء من الدائرة

غير أنّ الحديث عن إعادة إنتاج النخبة لا يقف عند الفصائل وحدها. إذ تمتد الآلية نفسها لتشمل القوى الاجتماعية التي يُفترض أنْ تكون رافعة للتغيير: النقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والحركات الشبابية، والنخب الأكاديمية والمهنية. ففي سياق الفصائلية الممتدة، تصبح هذه القوى الاجتماعية، بدرجات متفاوتة، جزءًا من الدائرة المغلقة، لا مخرجًا منها.

 

تظهر المشكلة أولًا في علاقة التبعية. فكثير من مؤسسات المجتمع المدني تعتمد على تمويل خارجي أو داخلي يرتبط بشبكات نفوذ سياسية، مما يحد من استقلاليتها ويجعل قدرتها على النقد مشروطة بحدود معينة.


وتظهر ثانيًا في استقطاب الكفاءات. فالنظام الفصائلي لا يقصي الكفاءات المستقلة فقط من مواقع القرار، بل يستطيع أحيانًا استيعابها عبر مواقع استشارية أو مؤسساتية تجعلها جزءًا من النظام بدل أنْ تكون قوة ضغط عليه.

 

وتظهر ثالثًا في إعادة إنتاج الخطاب. فحتى الخطاب النقدي قد يعيد أحيانًا إنتاج إشكاليات النظام نفسه: التعبئة دون مساءلة، والمطالبة بالحقوق دون نقد آليات توزيع السلطة، والتركيز على الاحتلال بوصفه مُفسرًا وحيدًا لكل مأزق.

 

وهنا تكمن المفارقة الأعمق: القوى الاجتماعية التي يمكن أنْ تكون جسرًا نحو التغيير تصبح أحيانًا جزءًا من البنية التي تعيد إنتاج نفسها، ليس لأنها تفتقر إلى النوايا الحسنة، بل لأنّ شروط عملها واستمرارها تفرض عليها التكيّف مع قواعد اللعبة القائمة.

 

لكن الخروج من هذه الدائرة يبدأ بوعي القوى الاجتماعية بنفسها، وبناء تحالفات عابرة للفصائل، وإعادة تعريف علاقتها بالتمويل والسياسة. فلا يمكن أنْ تصبح هذه القوى رافعة للتحوّل إذا بقيت موزعة بين شبكات الولاء، أو أسيرة لمصادر تمويل تجعل استقلالها مكلفًا.


ولذلك لا يمكن اعتبار المجتمع المدني، أو القوى الاجتماعية الأوسع، مخرجًا تلقائيًا من نظام التفاهة، ما لم تُعاد صياغة شروط اشتغاله، وتُحمى استقلاليته بقوانين وممارسات تجعل النقد ممكنًا وغير مُكلِف.

الاقتصاد السياسي لإعادة الإنتاج

ولا يمكن فصل هذه الإشكالية عن سؤال الاقتصاد. ففي غياب اقتصاد وطني مستقل، وفي ظل هشاشة الموارد الذاتية، تصبح السيطرة على مصادر التمويل أداة مركزية في إعادة إنتاج النفوذ والنخبة.
فالوظيفة العامة، والمساعدات، وتمويل المؤسسات، والموارد المرتبطة بإعادة الإعمار، يمكن أن تتحول إلى أدوات لتوزيع الامتيازات إذا غابت المعايير المهنية والرقابة المستقلة.

 

وهنا يصبح الاقتصاد جزءًا من السياسة لا هامشًا لها. فمن يملك القدرة على توزيع الموارد يستطيع أن يؤثر في فرص الصعود الاجتماعي والسياسي، ومن يسيطر على فرص العمل والخدمات والتمويل يستطيع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن يعيد تشكيل علاقات الولاء.

 

فالاقتصاد السياسي لا يحدد فقط من يملك الموارد، بل يحدد أيضًا أي نوع من السلوك السياسي يصبح أكثر قابلية للمكافأة؛ ومن ثمّ فهو جزء من الآلية التي تجعل الامتثال استثمارًا أكثر أمانًا من الاستقلال.

 

ولهذا فإنّ إصلاح النظام السياسي لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح البيئة الاقتصادية التي يعمل داخلها. فالمطلوب ليس فقط مؤسسات أكثر شفافية، وإنما تقليل قدرة السياسة على التحكم في الموارد العامة، وبناء قواعد تجعل الوصول إلى الوظيفة أو التمويل أو الفرصة الاقتصادية أقل ارتباطًا بالولاء السياسي.
ومن دون ذلك، قد تتحول الديمقراطية نفسها إلى منافسة على السيطرة على الموارد، بدل أن تكون آلية للمساءلة وتداول المسؤولية.

 

في المحصلة المشكلة لا تعود في الأشخاص الذين يديرون النظام بقدر ما تصبح في النظام الذي يحدد مسبقًا نوع الأشخاص القادرين على الصعود داخله. فالاحتلال يضغط على المجال السياسي، والانقسام يعمق الاستقطاب، والشرعية التاريخية تمنح بعض القوى حصانة معنوية، والاقتصاد الهش يجعل الموارد أداة للنفوذ، والقوى الاجتماعية تجد نفسها محاصرة بين التبعية والاستيعاب، بينما تستمر آليات إنتاج النخبة في إعادة تدوير القواعد القديمة.

 

وعندما تصبح قواعد إنتاج الشرعية والنخبة نفسها جزءًا من المشكلة، فإن إصلاح الوجوه لا يكفي؛ لأنّ البنية ستعيد إنتاج منطقها مهما تغيرت الأسماء. لكن إذا كان الإصلاح لا يكفي، فهل يعني ذلك أنّ البديل هو القفز مباشرة إلى نظام جديد؟

وليس من  السهل الإجابة على السؤال؛ لأنّ إعادة التأسيس ليست قرارًا إداريًا، ولا تصميمًا هندسيًا، ولا مؤتمرًا يمكن الدعوة إليه في أي وقت. إنها صراع سياسي واجتماعي طويل، له كلفته، وله مقاوموه، وتتحكم في بدايته عوامل داخلية وخارجية لا يملك الفلسطينيون جميعها.


ومن هنا يبدأ السؤال الذي يفتح الجزء الثاني: كيف يمكن الانتقال من تشخيص النظام إلى بناء مسار واقعي لتغييره، في ظل انقسام عميق، واحتلال متواصل، وخارج فاعل، ومجتمع منهك، ونخب لها مصالح في استمرار الوضع القائم؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق