تتسارع دقات الساعة في كواليس السياسة الدولية بينما يترقب العالم تحولاً جذرياً في مسار الصراع المحتدم فوق أراضي لبنان الجريحة، حيث تتقاطع خيوط الدبلوماسية مع أصوات المدافع في مشهد درامي يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. يقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قلب هذه العاصفة، محاولاً انتزاع اتفاق تاريخي ينهي عقوداً من الجفاء والعداء المستمر بين الأطراف المتصارعة على الحدود الملتهبة.
حسب تقرير لـ "الشرق"، أكدت مصادر مقربة من الرئاسة اللبنانية أن الصمت الرسمي هو الخيار الاستراتيجي الحالي للرئيس جوزاف عون، الذي يرفض إصدار أي موقف قبل رؤية دخان أبيض يعلن وقف إطلاق النار فعلياً. يأتي هذا الموقف المتحفظ رغم التصريحات المدوية التي أطلقها ترمب حول محادثات مرتقبة تجمع زعيمي البلدين لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، مما أثار موجة من التكهنات والترقب.
ترمب وطموح كسر الجليد التاريخي
فاجأ الرئيس الأميركي الأوساط السياسية بمنشور عبر منصته "تروث سوشيال"، أعلن فيه عن محاولة جادة لتهيئة مساحة كافية لالتقاط الأنفاس بين إسرائيل ولبنان، مشيراً بلهجة متفائلة إلى أن الوقت قد حان لكسر قطيعة استمرت نحو أربعة وثلاثين عاماً. وصف ترمب اللقاء المرتقب بالجميل، معتبراً أن التواصل المباشر بين القيادات هو المفتاح الوحيد لإنهاء دوامة العنف التي عصفت بالمنطقة لسنوات طويلة وأنهكت قواها.
ورغم هذا التفاؤل الأميركي الصارخ، إلا أن بيروت لم تخرج عن صمتها المطبق، حيث لم يواكب منشور ترمب أي تعليق رسمي من قبل المسؤولين اللبنانيين الذين يراقبون المشهد بحذر شديد. التزم الرئيس اللبناني والدوائر المحيطة به الصمت التام، مفضلين عدم التسرع في الترحيب أو التعليق على الاجتماعات التي جرت في واشنطن بين سفراء الجانبين، بانتظار ضمانات ملموسة تضمن سيادة لبنان واستقراره الدائم.
وفي هذا السياق المعقد، صرح مسؤول لبناني رفيع المستوى لوكالة "رويترز" بأن الحكومة في بيروت ليس لديها علم رسمي بأي ترتيبات لمكالمة هاتفية بين عون ونتنياهو. يعكس هذا التصريح حجم الفجوة بين الطموحات الأميركية والواقع الدبلوماسي على الأرض، حيث تبدو المسارات التفاوضية معقدة ومليئة بالألغام السياسية التي تتطلب نفساً طويلاً وحنكة استثنائية لتجاوز العقبات المتراكمة منذ عقود من الصراع المسلح.
أشارت المصادر المطلعة إلى أن الأربعاء شهد تسريبات حول إمكانية الإعلان عن وقف إطلاق النار عقب اجتماع مجلس الوزراء الأمني المصغر في إسرائيل، لكن تلك التوقعات لم تترجم إلى واقع ملموس. يبدو أن الجانب الإسرائيلي يصر على مواصلة العمليات العسكرية لتحقيق مكاسب ميدانية إضافية قبل الجلوس النهائي على طاولة المفاوضات، مما يجعل مسار السلام في لبنان محفوفاً بالمخاطر والتأجيلات المستمرة.
كواليس مفاوضات واشنطن السرية
كان اللقاء الذي جمع السفيرة اللبنانية ندى حمادة والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر في واشنطن الثلاثاء الماضي، برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بمثابة حجر الأساس لمرحلة جديدة. وصفت المصادر هذا الاجتماع بأنه كان صريحاً للغاية وتضمن تبادل كافة المعطيات الأمنية والسياسية الضرورية، إلا أنه لم يفضِ في نهايته إلى إجابة واضحة وحاسمة بشأن التوقيت الفعلي لوقف إطلاق النار الشامل.
وكشفت التقارير الواردة من العاصمة الأميركية عن احتمال عقد اجتماع ثانٍ مساء الخميس لاستكمال المباحثات المتعلقة ببند وحيد وأساسي، وهو وقف العمليات العدائية فوراً. يمثل هذا المطلب جوهر الرؤية التي يطرحها الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي يصر على أن أي حوار سياسي لا يمكن أن يبدأ أو ينجح ما دامت الطائرات تغير على القرى والبلدات وما دام النزوح مستمراً.
تحاول الولايات المتحدة من خلال هذه التحركات المكثفة توفير مساحة زمنية تتيح للأطراف التفكير في حلول مستدامة بعيداً عن ضغط الميدان، لكن التحدي الأكبر يكمن في التوفيق بين المطالب الأمنية الإسرائيلية والسيادة الوطنية اللبنانية. إن إشراك ماركو روبيو في هذه التفاصيل الدقيقة يعكس رغبة إدارة ترمب في إعطاء زخم قوي للمفاوضات، معتبرة أن استقرار لبنان هو جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة الإقليمي.
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان حزب الله سيقبل بمخرجات هذه اللقاءات، خاصة أن الحكومة اللبنانية تؤكد مراراً أنها لا تمثل الجماعة في هذه المحادثات المباشرة. يضيف هذا التباين الداخلي تعقيداً إضافياً على المشهد، حيث يظل السؤال قائماً حول مدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض أي اتفاق يتم التوصل إليه في واشنطن على كافة الأطراف الفاعلة على الأرض.
النيران تلتهم قرى الجنوب اللبناني
بينما تدور عجلة الدبلوماسية في القاعات المكيفة بفرجينيا وواشنطن، تبقى الأرض في جنوب لبنان شاهدة على تصعيد عسكري لم يهدأ، حيث تواصلت الغارات الإسرائيلية العنيفة. وجه الجيش الإسرائيلي إنذارات متتالية لسكان المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني بضرورة الإخلاء الفوري والتوجه شمالاً، مما خلق حالة من الذعر والارتباك في صفوف المدنيين الذين يواجهون شتاءً قاسياً وظروفاً معيشية مأساوية.
شهدت بلدة الصرفند في قضاء صيدا غارات فجرية أدت إلى تدمير ممتلكات واسعة، في حين اندلعت اشتباكات عنيفة صباح الخميس في مدينة بنت جبيل التاريخية. تواجه القوات الإسرائيلية مقاومة شرسة من عناصر حزب الله، خاصة عند محور الملعب والمهنية، حيث تدخل الطيران الحربي والمروحي لتوفير غطاء جوي للقوات البرية التي تحاول التوغل في أحياء المدينة وتفخيخ المنازل عند مداخل الأسواق.
تعرضت المرافق الحيوية أيضاً لاستهداف مباشر، حيث أغار الطيران الإسرائيلي على مبنى تجاري في محيط مستشفى تبنين بقضاء صور، مما ألحق أضراراً جسيمة بالمبنى الطبي. وأفاد مدير المستشفى محمد حمود بأن القصف تسبب في حالة من الهلع بين المرضى والطواقم الطبية، محذراً من خروج المستشفى عن الخدمة إذا استمرت الاستهدافات في هذه المنطقة التي تعاني أصلاً من نقص حاد في المستلزمات.
تظهر هذه التطورات الميدانية أن إسرائيل تسعى لفرض واقع جغرافي جديد في جنوب لبنان قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار. إن سياسة الأرض المحروقة ونسف المنازل في المدن الحدودية مثل بنت جبيل توحي بأن المعركة قد تطول، وأن "التقاط الأنفاس" الذي تحدث عنه ترمب قد يكون مجرد استراحة محارب قصيرة تتبعها جولات أخرى من العنف المتبادل.
سيناريوهات الهدنة القصيرة ومصير الاتفاق
تدرس الحكومة الإسرائيلية حالياً مقترحاً أميركياً يقضي بإعلان وقف إطلاق نار مؤقت وقصير الأمد في لبنان، قد لا يتجاوز أسبوعاً واحداً كاختبار للنوايا. وبحسب تقارير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن الهدف من هذه الهدنة هو تعزيز دور الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني في بسط سلطتهم، بالتزامن مع وجود مؤشرات إيجابية في المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران الذي بدأ يؤتي ثماره.
ربط بعض المسؤولين الإسرائيليين بين استقرار الجبهة في لبنان ومدى صمود التفاهمات الأميركية الإيرانية، معتبرين أن الانفراجة في ملف "حرب إيران" ستنعكس بالضرورة على الساحة اللبنانية. ومع ذلك، هناك تيار داخل الحكومة الإسرائيلية يرفض بشدة ربط الملفين، ويصر على ضرورة استكمال تدمير البنية التحتية لحزب الله بشكل منفصل عن أي تسويات إقليمية كبرى قد تبرمها إدارة ترمب مع طهران.
أشادت الخارجية الأميركية بالمحادثات التي جرت بين السفراء، ووصفتها بأنها "محطة تاريخية" غير مسبوقة تهدف لتمهيد الطريق نحو سلام دائم وشامل ينهي صراعات العقود الماضية. يراهن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف على أن الضغط الدبلوماسي المتواصل سيوصل الأطراف إلى صيغة ترضي الجميع، مشيراً إلى أن الهدف النهائي هو إعادة الإعمار وضمان أمن الحدود من خلال اتفاقات دولية متينة ومراقبة بدقة.
لكن الطريق لا يزال طويلاً، فالحكومة اللبنانية تواجه تحديات هائلة في إثبات قدرتها على الالتزام ببنود أي اتفاق، خاصة في ظل الانقسام السياسي الحاد والوضع الاقتصادي المنهار. إن نجاح المفاوضات في لبنان يعتمد بشكل أساسي على قدرة المجتمع الدولي على توفير ضمانات أمنية حقيقية لإسرائيل، مقابل ضمانات سيادية واقتصادية للبنان تضمن له النهوض من ركام الحرب والدمار الذي طال كل شيء.
آفاق المستقبل وظلال الماضي الثقيل
عندما يتحدث ترمب عن أربعة وثلاثين عاماً من القطيعة، فإنه يعيد الذاكرة إلى حقبة التسعينيات ومؤتمر مدريد، محاولاً استنساخ لحظة دبلوماسية فارقة تعيد ترتيب أوراق المنطقة. يدرك الجميع أن لبنان اليوم يختلف تماماً عما كان عليه في السابق، حيث تداخلت القوى الإقليمية والمحلية بشكل يجعل من أي حل ثنائي أمراً صعب المنال دون مظلة دولية وإقليمية واسعة وشاملة.
يبقى الأمل معلقاً على ما ستسفر عنه الساعات القادمة من اتصالات هاتفية أو لقاءات مباشرة قد تغير مجرى التاريخ في لبنان، وتنهي معاناة ملايين النازحين والمنكوبين. إن "التقاط الأنفاس" الذي يسعى إليه ترمب قد يكون البداية لمسار طويل من التعافي، أو مجرد هدنة هشة تنهار عند أول احتكاك ميداني، مما يضع المنطقة برمتها أمام مفترق طرق خطير ومصيري.
في نهاية المطاف، تظل عيون اللبنانيين شاخصة نحو واشنطن تارة، ونحو حدودهم الجنوبية تارة أخرى، بانتظار معجزة دبلوماسية تخرس صوت المدافع وتعيد الطمأنينة إلى النفوس المنهكة. إن الصمت الذي يلتزمه الرئيس جوزاف عون قد يكون هو الهدوء الذي يسبق العاصفة الدبلوماسية الكبرى، التي قد تنتهي بمشهد تاريخي لم يشهده لبنان منذ عقود، واضعاً حداً لسنوات من النزيف المستمر.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الوصول إلى سلام في هذه البقعة من العالم يتطلب تضحيات وتنازلات مؤلمة من كافة الأطراف، وهو ما تسعى الإدارة الأميركية الحالية لتحقيقه بكل ثقلها. سيبقى اسم لبنان حاضراً في كل المحافل الدولية كعنوان للصمود وللبحث عن استقرار مفقود، في انتظار أن تترجم الكلمات الجميلة في منشورات التواصل الاجتماعي إلى واقع معاش يحمي الأرواح ويبني المستقبل.








0 تعليق