تتصاعد حدة الترقب في الأوساط السياسية الدولية مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توقعاته المتفائلة بشأن اقتراب نهاية حرب إيران التي وصفها بالضرورية لتأمين المصالح القومية ومنع طهران من امتلاك السلاح النووي الفتاك. وتعكس تصريحاته الأخيرة في لاس فيجاس رغبة جامحة في طي صفحة الصراع العسكري الذي أرهق الاقتصاد العالمي وأدى لارتفاع قياسي في تكاليف الطاقة التي أثقلت كاهل المستهلكين والشركات بحدة.
وحسب تقرير لـ "بوليتيكو" والمتابعات الإخبارية المساندة فإن الإدارة الأميركية تبدو الآن أكثر مرونة في تقديم تنازلات جوهرية خلال المفاوضات الجارية خلف الكواليس مع الجانب الإيراني لضمان الوصول إلى اتفاق مستدام. ويرى مراقبون أن هذه الليونة المفاجئة تأتي نتيجة الضغوط الداخلية المتزايدة على ترمب وتراجع شعبيته بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب مما دفعه للبحث عن مخرج ديبلوماسي يحفظ ماء الوجه ويحقق الاستقرار المنشود في المنطقة.
وأكد ترامب خلال فعالية جماهيرية كبرى أن التحرك العسكري ضد المنشآت الإيرانية كان رحلة قصيرة لكنها لزاماً علينا لحماية الأمن العالمي من التهديدات النووية المتزايدة التي تشكلها طهران. وشدد الرئيس على أن العمليات القتالية يجب أن تنتهي في وقت قريب جداً مشيراً إلى أن الجمود الحالي في جبهات القتال يستدعي تدخلاً سياسياً حاسماً لكسر حلقة العنف المفرط الذي ساد خلال الأشهر الماضية.
ديبلوماسية التنازلات ورهانات ترامب السياسية
وتشير التقارير الواردة من واشنطن إلى أن البيت الأبيض بدأ بالفعل في تغيير استراتيجيته تجاه ملفات المنطقة عبر ربط مسارات التفاوض المختلفة لضمان الضغط الفعال على كافة الأطراف الفاعلة. وقد تجلى هذا التوجه في دعوة ترمب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون للاجتماع في البيت الأبيض سعياً لتثبيت وقف إطلاق النار الذي يمهد الطريق لإنهاء حرب إيران بشكل شامل ونهائي.
ويمثل هذا التحول الديبلوماسي رغبة أميركية في إزالة العقبات الميدانية التي كانت تعرقل مسار المفاوضات مع طهران خاصة بعد الضغوط التي مارسها ترمب لوقف حملات القصف المكثفة على لبنان. ويرى محللون أن فصل المسارات العسكرية عن الاتفاق النووي لم يعد ممكناً في ظل تداخل المصالح الإقليمية وتعقيد المشهد الميداني الذي يفرض على واشنطن تقديم عروض أكثر جاذبية للجانب الإيراني المتعنت حتى الآن.
وعلى الرغم من فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي استضافتها باكستان خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي إلا أن القنوات غير الرسمية لا تزال مفتوحة بين واشنطن وطهران للوصول لنقاط تفاهم. ويبدو أن ترمب الذي يواجه تحديات داخلية صعبة بات مستعداً للقبول ببعض المطالب الإيرانية التي كان يرفضها سابقاً وذلك لتسريع وتيرة الخروج من الأزمة وتحقيق نصر سياسي قبل الانتخابات القادمة في بلاده.
كواليس مفاوضات إسلام آباد والخطوط الحمراء
ونقلت التقارير عن مسؤول خليجي رفيع المستوى أن الرئيس ترامب يبدو جاداً للغاية في التوصل لاتفاق نهائي حتى لو اضطر لقبول تنازلات تقنية وفنية في الملف النووي المثير للجدل. وأوضح المسؤول أن الإيرانيين يدركون حاجة واشنطن الماسة لإنهاء حرب إيران لذا فهم يمارسون سياسة حافة الهاوية للحصول على أقصى مكاسب ممكنة تتعلق برفع العقوبات الاقتصادية والحصار البحري المفروض على موانئهم الحيوية بالمنطقة.
وفي المقابل يقود جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي وفد بلاده في المحادثات المعقدة حيث قدم ما وصفه بالعرض النهائي في إسلام آباد وسط أنباء عن استمرار اللقاءات الجانبية. ويركز الفريق الأميركي على ضرورة الحصول على ضمانات موثقة تمنع إيران من الوصول للقنبلة النووية مع إبداء مرونة في مسألة التخصيب للأغراض المدنية وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في الموقف المتشدد السابق للإدارة.
وصرح ترامب للصحافيين قبيل توجهه إلى لاس فيجاس أن إيران أبدت استعداداً للقيام بأمور لم تكن واردة قبل شهرين مما يشير إلى نجاح سياسة الضغوط القصوى في لي ذراع طهران. وأضاف أن الجانبين يتعاملان بشكل جيد جداً في الوقت الراهن متوقعاً عقد جولة جديدة من المحادثات المباشرة لإنهاء حرب إيران التي استنزفت الموارد البشرية والمادية بشكل غير مسبوق لكافة الأطراف المتصارعة.
المعضلة النووية وآفاق التوصل لاتفاق نهائي
وتتمحور النقاط الخلافية الجوهرية حول مدة تعليق تخصيب اليورانيوم حيث تقترح واشنطن فترة تصل إلى عشرين عاماً بينما تصر طهران على ألا تتجاوز المدة خمس سنوات فقط لضمان سيادتها. كما تشكل مسألة التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب عقبة كبرى في طريق الحل حيث ترفض إيران التخلي عن هذا المخزون الذي تعتبره ورقة ضغط استراتيجية هامة في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية المستمرة.
وتزعم المتحدثة باسم البيت الأبيض أن يأس النظام الإيراني سيزداد مع استمرار الحصار البحري الفعال الذي فرضه ترمب مما سيجبرهم في النهاية على القبول بالشروط الأميركية القاسية لإنقاذ اقتصادهم المنهار. ومع ذلك فإن التلميحات حول القبول بتخصيب محدود مستقبلاً تثير تساؤلات جدية حول جدوى الحرب التي اندلعت إذا كانت النتائج ستشبه إلى حد كبير بنود الاتفاق النووي المبرم في عام ألفين وخمسة عشر.
وفي ختام المشهد يرى دبلوماسيون سابقون أن الخسائر البشرية والمادية الهائلة التي نتجت عن حرب إيران تجعل من الصعب تبرير العودة لنقاط تفاوضية قديمة كانت متاحة دون الحاجة لهذا الصراع. ومع ذلك يظل الأمل معقوداً على تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة ستة أشهر إضافية لمنح الديبلوماسية فرصة أخيرة لصياغة اتفاق شامل ينهي التوتر في الشرق الأوسط ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي المستقر.








0 تعليق