كواليس قمة دمشق.. «الخط الأصفر» الإسرائيلي يفرض تنسيقاً اضطرارياً بين الشرع وجنبلاط

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​شهد قصر الشعب في العاصمة السورية دمشق لقاءً تاريخياً جمع بين الرئيس السوري أحمد الشرع والزعيم اللبناني وليد جنبلاط، في لحظة سياسية فارقة تهدف إلى إعادة صياغة ملامح العلاقات بين البلدين الجارين. وقد عكس هذا اللقاء تحولاً جوهرياً في طبيعة التواصل الدبلوماسي، حيث ركزت المباحثات على تجاوز إرث الماضي وبدء صفحة جديدة تعتمد على الندّية والتعاون المشترك لمواجهة الأخطار الإقليمية المتزايدة التي تحدق بالمنطقة.

​حسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالات الأنباء الرسمية، فإن زيارة جنبلاط والوفد المرافق له اكتسبت أهمية استثنائية نظراً لتوقيتها الحساس الذي يتزامن مع تحولات كبرى في البنية السياسية السورية. وقد شدد البيان الصادر عن الحزب التقدمي الاشتراكي على ضرورة تحسين العلاقات اللبنانية السورية بما يخدم المصالح الاستراتيجية للشعبين، مع التأكيد على إسقاط نظريات التقسيم والتركيز على الروابط الاجتماعية والجغرافية العميقة التي تجمع بين بيروت ودمشق في إطار الدولة.

​ساد اللقاء جو من الصراحة والوضوح، حيث سعى الطرفان إلى وضع خارطة طريق واضحة للتعامل مع الملفات العالقة التي أثقلت كاهل العلاقة الثنائية لسنوات طويلة. وأكد الجانبان خلال المباحثات أن استقرار لبنان يمثل ركيزة أساسية لأمن سوريا، والعكس صحيح، مما يستدعي تنسيقاً عالي المستوى على كافة الأصعدة الرسمية. وقد برزت رغبة القيادة السورية الجديدة في الانفتاح على كافة المكونات اللبنانية لبناء علاقات متوازنة ومستدامة.

​تطرق الحوار إلى ضرورة معالجة ذيول الأحداث الأليمة التي شهدتها محافظة السويداء، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية بكل أطيافها ومكوناتها الاجتماعية. وأشار المشاركون في اللقاء إلى أن طمأنة الشعب السوري بكافة فئاته تمثل أولوية قصوى للمرحلة المقبلة، لضمان عدم بروز أي ثغرات يمكن استغلالها من قوى خارجية تسعى للعبث بالأمن الداخلي. وجاء هذا التأكيد ليعزز من هيبة الدولة المركزية وقدرتها على احتواء الأزمات المحلية.

أحمد الشرع وصياغة عهد السيادة الجديد

​أوضح النائب هادي أبو الحسن، أمين سر كتلة اللقاء الديمقراطي، أن المباحثات التي أجراها الرئيس أحمد الشرع مع الوفد اللبناني غاصت في عمق القضايا السياسية والأمنية. وأكد أن الهدف الأساسي هو توطيد العلاقات على قاعدة الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال كل بلد، بعيداً عن أساليب الماضي. وأشار إلى أن الجغرافيا تفرض تعاوناً وثيقاً، كون سوريا هي المنفذ البري الوحيد للبنان نحو المحيط العربي الواسع.

​اعتبر أبو الحسن أن القيادة السورية الحالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تتبنى رؤية عصرية تعترف بالواقع السياسي الجديد في المنطقة وتنبذ منطق الوصاية الذي ساد في حقبة سابقة. وأكد أن سقوط نظام بشار الأسد فتح الباب أمام صياغة علاقة صحية ومستقرة تقوم على تبادل المصالح الحيوية. هذا التوجه الجديد يعكس رغبة دمشق في استعادة دورها العربي الريادي من خلال بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية حدودها.

​إن الانتقال من مرحلة التوتر إلى مرحلة التفاهم المؤسسي يتطلب إرادة سياسية صلبة، وهو ما بدا واضحاً في خطاب القيادة السورية خلال اللقاء. فقد شدد المسؤولون السوريون على أن سوريا الجديدة ترى في لبنان شريكاً استراتيجياً لا تابعاً، وأن التحديات التي يواجهها البلدان تتطلب تكاتف الجهود لمواجهتها. هذا التحول الجذري في الخطاب السياسي السوري لاقى صدى إيجابياً لدى الوفد اللبناني الذي يتطلع لتمتين الروابط التاريخية.

​ركزت المباحثات أيضاً على الملفات الاقتصادية الحيوية، خاصة في ظل الأزمات المعيشية التي يعاني منها البلدان. وتم التأكيد على ضرورة تفعيل الاتفاقيات التجارية وتسهيل حركة المرور عبر الحدود لتعزيز التبادل التجاري وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين. ويرى المراقبون أن نجاح هذه الخطوات سيسهم بشكل كبير في خلق بيئة اقتصادية مستقرة تدعم جهود إعادة الإعمار في سوريا وتنعش الأسواق اللبنانية التي تعتمد على الترانزيت السوري.

تفكيك حلف الأقليات وتثبيت الوحدة الوطنية

​شكلت قضية حلف الأقليات محوراً ساخناً في النقاشات، حيث اتفق الطرفان على ضرورة إسقاط هذا الطرح الذي تحاول بعض القوى الإقليمية وإسرائيل إحياءه لزعزعة استقرار المجتمعات العربية. وأكد الرئيس أحمد الشرع أن دمشق ترفض أي تقسيم طائفي أو فئوي، وتتمسك بهوية سورية جامعة تضمن المساواة الكاملة لجميع مواطنيها. واعتبر أن هذا الطرح قد انتهى تماماً مع زوال النظام السابق الذي كان يقتات على التناقضات.

​من جانبه، شدد وليد جنبلاط على أن حماية المكونات الاجتماعية لا تتم عبر الاستقواء بالخارج أو الانعزال في كانتونات طائفية، بل عبر الانخراط في مشروع الدولة المركزية القوية. وأشار إلى أن الروابط الجغرافية والاجتماعية هي الضمانة الوحيدة للاستقرار المستدام في المنطقة. وقد لاقت هذه الرؤية ترحيباً واسعاً من الجانب السوري، الذي يسعى لترسيخ مفهوم المواطنة وتذويب الفوارق التي خلفتها سنوات النزاع الطويلة والمريرة في البلاد.

​تناول اللقاء أيضاً تداعيات أحداث السويداء، حيث لعب جنبلاط دوراً محورياً في تهدئة الأوضاع ومنع انزلاق المنطقة نحو طروحات انفصالية أو طلب حماية خارجية. وأكد الوفد اللبناني رفضه المطلق لأي محاولات إسرائيلية للتدخل في شؤون السويداء أو ضمها لأي مشاريع مشبوهة. وتم الاتفاق على ضرورة استكمال نتائج لقاء عمّان الذي جمع سوريا والأردن والولايات المتحدة لضمان استقرار الجنوب السوري ومنع تحوله لساحة للصراع الدولي.

​إن تعزيز دور الدولة السورية في فرض سيادتها على كافة أراضيها كان مطلباً أساسياً خلال المحادثات، لضمان عدم بروز قوى موازية تنازع السلطة الرسمية. ويرى المشاركون أن قوة الدولة المركزية في دمشق هي الكفيلة بحماية التنوع الثقافي والديني الذي يميز المجتمع السوري. هذا الالتزام بالوحدة الوطنية يعكس رغبة مشتركة في بناء جدار صد منيع ضد كافة المخططات التي تستهدف تفتيت المنطقة على أسس عرقية أو مذهبية ضيقة.

الخط الأصفر الإسرائيلي وهواجس الأمن المشترك

​برزت خلال المباحثات هواجس أمنية مشتركة تتعلق بالنوايا الإسرائيلية التوسعية في المنطقة، خاصة مع الحديث عن مخطط لإقامة ما يسمى بالخط الأصفر. وأوضح النائب هادي أبو الحسن أن هذا المخطط يهدف إلى فرض منطقة عازلة تمتد من الناقورة في جنوب لبنان وصولاً إلى جبل الشيخ، مع احتمالية توسعه ليشمل مناطق في جنوب سوريا. هذا التهديد المباشر استوجب تنسيقاً عالي المستوى بين دمشق وبيروت لمواجهة هذه الأطماع الإسرائيلية.

​أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداءات تمس سيادتها أو سيادة لبنان، مشدداً على ضرورة استثمار العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة للضغط على إسرائيل. واعتبر الطرفان أن التنسيق المشترك هو السبيل الوحيد لمواجهة هذا المخطط الخطير الذي يهدد الأمن القومي للبلدين. وتم الاتفاق على تفعيل غرف العمليات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية لرصد التحركات الإسرائيلية على طول الحدود المشتركة الممتدة.

​لم تغب قضية ضبط الحدود ومنع التهريب عن طاولة البحث، حيث أشاد الجانب اللبناني بالجهود التي تبذلها السلطات السورية في هذا الإطار. إلا أن القلق السوري ظهر واضحاً بعد اكتشاف أنفاق في الداخل السوري تستخدم لتهريب السلاح باتجاه لبنان. وأشار المسؤولون السوريون إلى ضرورة معالجة هذه الثغرات الأمنية لضمان عدم استخدام الأراضي السورية كمنطلق لأعمال تضر بأمن الجيران، مؤكدين التزامهم الكامل بملاحقة كافة الشبكات الإجرامية والمسلحة.

​تطرق اللقاء أيضاً إلى المعلومات التي تحدثت عن توقيف خلية أمنية في دمشق مرتبطة بحزب الله، وهو ما عكس رغبة سوريا الجديدة في حصر السلاح بيد الدولة فقط. وشدد هادي أبو الحسن على أهمية تبديد الهواجس الأمنية المتبادلة لبناء ثقة حقيقية بين المؤسسات الرسمية في كلا البلدين. إن هذه الخطوات الأمنية الجريئة تهدف إلى إرساء قواعد عمل واضحة تمنع أي طرف غير رسمي من العبث بالعلاقات الثنائية أو تهديد استقرارها.

ترسيخ الثقة المؤسسية ومستقبل العلاقات الثنائية

​في ختام اللقاء، أكد الجانبان أن بناء الثقة يتطلب عملاً دؤوباً وتواصلاً مستمراً بين الوزارات والمؤسسات الرسمية في دمشق وبيروت. واعتبر وليد جنبلاط أن هذه الزيارة هي حجر الأساس لمرحلة جديدة من التعاون الذي يحفظ كرامة وسيادة الشعبين. وتم الاتفاق على تشكيل لجان متابعة مشتركة تتولى الإشراف على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، خاصة في مجالات الأمن والاقتصاد والتعاون الدبلوماسي لمواجهة الضغوط الخارجية المستمرة والمتزايدة.

​إن التحديات الإقليمية المعقدة تفرض على لبنان وسوريا تجاوز خلافات الماضي والنظر نحو المستقبل برؤية واقعية وعملية. وقد أثبت لقاء دمشق أن الحوار المباشر هو الوسيلة الأنجع لمعالجة الأزمات وتبديد الشكوك. ويرى المراقبون أن نجاح هذا المسار يعتمد بشكل كبير على قدرة الطرفين على الالتزام بتعهداتهما وحماية العلاقة من التدخلات الحزبية أو الإقليمية التي سعت دوماً لإبقاء حالة التوتر قائمة بين البلدين الجارين والشقيقين.

​أشار الرئيس أحمد الشرع إلى أن سوريا ستبقى دائماً السند القوي للبنان في مواجهة الأزمات، وأن استقرار بيروت هو جزء لا يتجزأ من استقرار دمشق. هذا الموقف يعزز من فرص نجاح المشروع الوطني السوري في استعادة مكانته الدولية كدولة راعية للسلم والاستقرار. ومع انتهاء هذه الزيارة، تتجه الأنظار نحو الخطوات العملية التي ستتخذها الحكومتان لترجمة هذه التفاهمات إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية وأمنه الشخصي.

​ختاماً، يبقى لقاء الشرع وجنبلاط محطة مفصلية في تاريخ العلاقات اللبنانية السورية المعاصرة، حيث وضع النقاط على الحروف في أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. ومع التأكيد على وحدة سوريا وسيادة لبنان، ينطلق البلدان نحو أفق جديد من التعاون الاستراتيجي الذي يحمي المنطقة من التفتت والضياع. إنها رحلة الألف ميل التي بدأت بخطوة شجاعة في دمشق، تهدف إلى استعادة التوازن المفقود وبناء مستقبل مشرق لجيل يتوق للسلام والازدهار.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق