لم يكن الفنان الراحل هاني شاكر مجرد صوت طربي أصيل أثرى وجدان الأمة العربية لعقود، بل كان نموذجًا للفنان الإنسان الذي جعل من أخلاقه وقيمه رسالة موازية لفنه. وقد حفلت مسيرته بالعديد من المواقف الإنسانية التي رسخت مكانته في قلوب محبيه، وأكدت أن لقب "أمير الغناء العربي" لم يُمنح له لصوته فحسب، بل لأخلاق الأمراء التي تحلى بها.
داعم المواهب وسند الأجيال الجديدة
عُرف هاني شاكر بكونه أبًا روحيًا للمواهب الشابة، يمد لها يد العون دون انتظار مقابل أو ضجيج إعلامي، ومن أبرز الشهادات على ذلك وفقا لما رصده موقع تحيا مصر هو ما رواه الفنان علي الطيب عقب رحيله، حيث أكد أن شاكر كان "من أكثر الناس الذين شجعوه ودعموه في أول الطريق" عام 2004، حين التقاه في برنامج لاكتشاف المواهب.
وقد وصف الطيب تعامل الراحل معه ومع جميع المتسابقين بالرقي والطيبة التي "لا توصف"، مؤكدًا أن حضوره كان يبث الطمأنينة ويخفف من رهبة المسرح. وهذا النهج لم يقتصر على موقف واحد، إذ كانت الفنانة أنغام تعتبره دائمًا أستاذها وصاحب الفضل في انطلاقتها، وهو ما يعكس إيمانه العميق بضرورة تسليم الراية للأجيال القادمة.
نُبل المواقف في أوقات الخلاف والأزمات
تجلى معدن هاني شاكر الإنساني في قدرته على الفصل بين الخلاف المهني والموقف الأخلاقي. فرغم توليه منصب نقيب المهن الموسيقية وما صاحبه من خلافات، كان أول المساندين لزملائه في محنهم. فحين مرت الفنانة شيرين عبد الوهاب بأزماتها، دافع عنها إنسانيًا ووصفها بأنها "ابنته التي أخطأت ووجب الوقوف إلى جوارها"، وكذلك، رغم خلافه الشهير مع الفنان إيمان البحر درويش، كان من أوائل المطمئنين عليه خلال وعكته الصحية. وقد اشتهر عنه أنه يبادر بزيارة ومساعدة أي فنان يمر بضائقة صحية أو مادية في صمت تام، بعيدًا عن أعين الصحافة.
الفاجعة التي غيّرت مسار الفنان
شكلت وفاة ابنته "دينا" عام 2011 بعد صراع مع المرض، نقطة التحول الأبرز في حياته ووجدانه. هذه الفاجعة الإنسانية العميقة دفعته إلى التوقف عن الغناء العاطفي لفترة طويلة، والاتجاه نحو الإنشاد الديني والغناء الوطني. وقد صرح في أكثر من مناسبة أنه لم يعد قادرًا على أداء الأغاني العاطفية، فوجد في مدح الرسول الكريم وأغاني الوطن عزاءً لروحه وسلوىً لقلبه، وقدم ألبوم "أحبك يا رسول الله" تعبيرًا عن هذه الحالة الوجدانية.
الوطنية سلوك لا شعار
لم تكن وطنية هاني شاكر مجرد كلمات في أغنية، بل كانت سلوكًا راسخًا. ففي أعقاب حادث تفجير الكنيسة البطرسية عام 2016، كان في مقدمة زوار المصابين بالمستشفيات، وشارك في قداس التأبين منشدًا "مصر يا أم الدنيا" والدموع تملأ عينيه. كما عُرف عنه رفضه تقاضي أجر مضاعف عن الحفلات الوطنية، معتبرًا ذلك "واجبًا لا عملًا". وحتى خلال توليه منصب نقيب الموسيقيين، تنازل عن راتبه الخاص بالنقابة، مؤكدًا أن العمل النقابي "تكليف لا تشريف"، وساهم من ماله الخاص في سداد ديون النقابة.
تواضع الكبار مع الجمهور
حافظ هاني شاكر على تواضع جم مع جمهوره حتى آخر أيامه. فلم يكن يرد طلب معجب بالتصوير، وكان يردد عبارته الشهيرة: "لولاكم ما كنت أنا". كما حرص في حفلاته على تخصيص الصفوف الأولى لذوي الهمم من "قادرون باختلاف"، وكان يصر على النزول من المسرح لمصافحتهم واحدًا تلو الآخر. كذلك واظب على حضور واجبات العزاء لجميع الفنانين، كبارًا وصغارًا، مؤمنًا بأن هذا "واجب إنساني قبل أن يكون فنيًا".
لقد رحل هاني شاكر بجسده، لكن مواقفه الإنسانية ستبقى خالدة في ذاكرة الفن العربي فقد أثبت أن الخلود الحقيقي لا يصنعه الصوت وحده، بل تصنعه الأخلاق والقيم التي تلامس قلوب الناس.


















0 تعليق