الصين تعزز نفوذها في آسيا مستفيدة من تراجع الثقة بالسياسات الأمريكية

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​الصين تتصدر المشهد الآسيوي ببراعة سياسية ملحوظة في وقت تتآكل فيه الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة جراء التورط في نزاعات استنزافية بالشرق الأوسط أضعفت قدرة واشنطن على المناورة الفعالة في المحيط الهادئ وجعلت الدول الإقليمية تعيد النظر في جدوى الرهان على المظلة الأمنية الأميركية التي بدت مهتزة أمام التحديات الجيوسياسية الراهنة التي تعصف بالعالم وتغير موازين القوى.

​وحسب تقرير لصحيفة إندبندنت عربية فإن التحضيرات المكثفة للقمة المرتقبة بين دونالد ترمب وشي جينبينغ تعكس حجم القلق الأميركي من التمدد الصيني الذي لم يعد يقتصر على الجوانب التجارية بل امتد ليشمل الوساطات السياسية الناجحة وتوفير بدائل الطاقة المستدامة للدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره الجزء الأكبر من احتياجات القارة الآسيوية النفطية.

​وتعمل أطقم ضخمة من المسؤولين في واشنطن وبكين على مدار الساعة لتجهيز كافة الترتيبات اللوجستية والأمنية الدقيقة التي تسبق وصول الرئيس الأميركي إلى الأراضي الصينية في منتصف شهر مايو الجاري حيث تشمل هذه الاستعدادات نقل الأساطيل الرئاسية والسيارات المدرعة وفحص المسارات لضمان أمن الزيارة التي تأتي في توقيت حساس للغاية وسط تحولات كبرى قد تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي.

​وكان البيت الأبيض يأمل في أن يدخل دونالد ترمب هذه القمة وهو يحمل في جعبته نصراً عسكرياً أو سياسياً حاسماً في الملف الإيراني لتعزيز موقفه التفاوضي أمام العملاق الآسيوي لكن الواقع الميداني أثبت عكس ذلك تماماً حيث كشفت الحرب حدود القوة الأميركية في مواجهة التعقيدات الجغرافية والاقتصادية الخانقة التي فرضتها طبيعة المعركة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز.

​وأظهرت التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط انقسامات عميقة داخل حلف شمال الأطلسي بخصوص الموقف من الصراع الدائر مع طهران بالإضافة إلى الاستنزاف السريع والملحوظ للمخزونات العسكرية الأميركية من الذخائر والمعدات المتطورة مما أعطى انطباعاً لدى صانعي القرار في بكين بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على خوض جبهات متعددة في آن واحد بنفس الكفاءة والقوة السابقة.

تايوان ومقامرة القوة في الحسابات الاستراتيجية للصين

​وتضع القيادة في الصين ملف جزيرة تايوان على رأس أولوياتها خلال المحادثات المرتقبة مع الجانب الأميركي حيث يراقب المحللون والخبراء العسكريون الدروس التي قد تستخلصها بكين من مجريات الحرب في إيران وخاصة فيما يتعلق بفعالية استخدام الطائرات المسيرة الرخيصة والكلفة المنخفضة في شل حركة القوات التقليدية الكبرى وتعطيل الملاحة في الممرات المائية الدولية التي تعتبر عصب التجارة.

​ويمثل مضيق تايوان شرياناً حيوياً لا غنى عنه للتجارة العالمية حيث تشير التقديرات الاقتصادية الدقيقة إلى أن نحو أربعين في المئة من حركة الحاويات الدولية تمر عبر هذا الممر المائي الحساس مما يعني أن أي حصار عسكري طويل الأمد قد تفرضه الصين سيؤدي حتماً إلى خسائر مالية كونية فادحة قد تتجاوز حاجز الخمسة تريليونات دولار وتصيب النظام المالي العالمي بالشلل.

​ويختلف المحللون الاستراتيجيون حول ما إذا كانت بكين ستتجه لاستخدام القوة الصلبة أو ستكتفي بسلاح الحصار الاقتصادي كورقة ضغط استراتيجية في المستقبل القريب خاصة وأن التجربة الإيرانية في تهديد ممرات الطاقة أثبتت نجاعتها في إرباك الحسابات الغربية ودفع القوى الكبرى للتراجع عن مواقفها المتشددة تجنباً للانهيار الاقتصادي الشامل الذي قد يسببه توقف الإمدادات الحيوية من النفط والغاز.

​وعلى رغم أن الرأي العام داخل تايوان لا يزال يميل بشكل واضح نحو التحالف مع الولايات المتحدة ويرى فيها الضمانة الوحيدة للحفاظ على الوضع الراهن إلا أن التحولات المحيطة بالمنطقة بدأت تثير تساؤلات جدية حول مدى التزام واشنطن بحماية حلفائها في حال اندلاع نزاع مسلح واسع النطاق يتطلب تدخلات عسكرية مكلفة تفوق القدرات الحالية للمخزونات الدفاعية الأميركية المستنزفة.

تحولات المزاج العام في دول جنوب شرقي آسيا

​وتشهد مناطق واسعة من جنوب شرقي آسيا تحولاً ملحوظاً في التوجهات السياسية والمزاج العام تجاه القوى العظمى المتصارعة فبعد سنوات طويلة من القلق والتوتر إزاء التوسع الصيني المطرد في بحر الصين الجنوبي بدأت دول كانت تعتبر حليفة وثيقة لواشنطن مثل الفيليبين وفيتنام تعيد حساباتها بدقة متناهية في ظل تراجع الثقة في ثبات القيادة الأميركية والتزاماتها الأمنية طويلة الأمد.

​وتشير أحدث استطلاعات الرأي والتقارير الدبلوماسية المسربة التي تناولتها صحيفة التايمز إلى أن كبار صناع القرار في دول محورية مثل تايلاند وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا باتوا يميلون بشكل تدريجي نحو الصين في حال وضعت هذه الدول أمام خيار حتمي بين بكين وواشنطن وذلك بسبب المخاوف المتصاعدة من تقلب السياسات الأميركية الداخلية وتأثيراتها المباشرة على أمن واستقرار منطقة المحيط الهادئ.

​ويرى المسؤولون في هذه الدول الآسيوية أن بكين تتبع استراتيجية أكثر ثباتاً ووضوحاً في تعاملاتها الإقليمية بينما تتسم السياسة الأميركية بالارتباك وعدم الوضوح خاصة مع تغير الإدارات في واشنطن وما يتبع ذلك من تبدلات جذرية في الالتزامات الدولية والاتفاقيات التجارية مما يجعل الرهان على الولايات المتحدة مخاطرة غير مأمونة العواقب في ظل الظروف الجيوسياسية المعقدة والمتسارعة التي يعيشها العالم اليوم.

​وتستغل الصين هذا التراجع في الثقة لتعزيز علاقاتها الثنائية مع جيرانها من خلال تقديم حزم من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والمشاريع التنموية الكبرى دون فرض شروط سياسية قاسية مما يجعلها شريكاً جذاباً لدول المنطقة التي تسعى للحفاظ على نموها الاقتصادي بعيداً عن الصراعات العسكرية والتحالفات الأمنية التي قد تجلب لها الويلات وتدخلها في أزمات هي في غنى عنها.

أزمة الطاقة العالمية وتعثر سلاسل التوريد الحيوية

​وتعتبر القارة الآسيوية الطرف الأكثر تضرراً وتأثراً بالاضطرابات الحادة التي أصابت إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج العربي بسبب الحرب الدائرة في إيران حيث تعتمد الاقتصادات الآسيوية الناشئة والكبرى بشكل شبه كلي على هذه الموارد الحيوية لتشغيل مصانعها وتأمين احتياجات سكانها المتزايدة من الطاقة والخدمات الأساسية التي تتطلب تدفقاً مستمراً للمحروقات بأسعار معقولة.

​وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن نحو أربعة وثمانين في المئة من إجمالي كميات النفط التي تعبر مضيق هرمز تتجه مباشرة نحو الأسواق الآسيوية مما يجعل أي اضطراب أو تهديد لهذا الممر المائي ذا تأثير مباشر ومدمر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة ويؤدي إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الإنتاج والشحن ويضع ضغوطاً هائلة على الموازنات الحكومية المنهكة أصلاً.

​وأدت الأزمة الحالية إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الطاقة ونقص حاد في الإمدادات الضرورية بالإضافة إلى تراجع كبير في التحويلات المالية التي كان يرسلها العمال الآسيويون المقيمون في دول الخليج مما زاد من حدة الغضب الشعبي والاستياء الرسمي تجاه السياسات الأميركية التي ينظر إليها الكثيرون في المنطقة على أنها السبب الرئيسي وراء اندلاع هذا الصراع المدمر وتفاقمه.

​وصرح وزير الخارجية التايلاندي سيهاساك بوانغكيتكيو بأن هذه الحرب التي تعصف بالمنطقة لم يكن ينبغي لها أن تحدث أبداً مشيراً بوضوح إلى غياب الدعم الأميركي الفعال والتنسيق الدبلوماسي المطلوب في وقت تواجه فيه بلاده وتحديات اقتصادية كبرى تتمثل في الارتفاع الحاد والمفاجئ لأسعار الأسمدة والمدخلات الزراعية الضرورية التي تهدد الأمن الغذائي لملايين المواطنين في تايلاند والدول المجاورة لها.

الاستقرار الصيني مقابل التقلبات السياسية في واشنطن

​وفي المقابل نجحت الصين في تقديم نفسها أمام المجتمع الدولي ودول المنطقة كطرف عقلاني وأكثر توازناً وحكمة حيث شاركت بفاعلية في جهود التهدئة الدبلوماسية ودعت باستمرار إلى إعادة فتح مضيق هرمز لضمان سلامة الملاحة الدولية في الوقت الذي كانت فيه التصريحات الأميركية تتسم بالحدة والوعيد مما عزز من صورة بكين كقوة مسؤولة تسعى للحفاظ على السلم والأمن العالمي.

​وتستفيد بكين بشكل كبير من احتياطاتها النفطية الضخمة التي راكمتها عبر السنوات واستثماراتها الهائلة والمتواصلة في قطاع الطاقة المتجددة حيث تستمر في تصدير الألواح الشمسية والتقنيات الخضراء منخفضة الكلفة إلى مختلف دول آسيا وأفريقيا مما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً يتجاوز حدود التجارة التقليدية ويجعلها في قلب عملية التحول الطاقي العالمي الذي يسعى الجميع للوصول إليه.

​وعلى رغم أن دول المنطقة لا تغفل عن طموحات الصين الاستراتيجية على المدى الطويل وتدرك جيداً رغبتها في الهيمنة الإقليمية إلا أن خيبة الأمل العميقة من السياسات الأميركية المتقلبة وغير المتوقعة تجعل من بكين خياراً أكثر جاذبية وعملية في الوقت الراهن خاصة وأنها توفر فرصاً حقيقية للنمو الاقتصادي والاستقرار بعيداً عن لغة الحروب والتهديدات العسكرية المستمرة.

​وتلعب الدبلوماسية الصينية على وتر المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي المتبادل لإقناع جيرانها بأن الانخراط في رؤيتها للمنطقة سيحقق لهم مكاسب ملموسة واستقراراً دائماً وهو خطاب يجد صدى واسعاً في العواصم الآسيوية التي سئمت من التدخلات الغربية ومن الدروس التي تحاول واشنطن إعطاءها للعالم في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تفشل في تأمين أبسط قواعد الاستقرار العالمي.

إعادة التموضع الاستراتيجي للحلفاء التقليديين في القارة

​وحتى الحلفاء التقليديون والأكثر وثوقاً بالولايات المتحدة في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية بدأوا في إجراء عمليات مراجعة دقيقة وإعادة تقييم شاملة لعلاقاتهم الاستراتيجية مع واشنطن في ظل اعتمادهم المصيري على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج وترددهم الواضح في الانخراط العسكري المباشر في أي صراع قد يؤدي إلى تدمير مصالحهم الحيوية ويعرض أمنهم القومي للخطر الشديد.

​وتجد الصين نفسها اليوم في وضع يسمح لها بجني ثمار هذه التحولات الجيوسياسية الكبرى دون أن تبذل جهوداً عسكرية مضنية أو تدخل في مواجهات مباشرة حيث تعيد العديد من الدول الآسيوية تموضعها تدريجياً وبشكل هادئ ضمن الرؤية الصينية طويلة الأمد للمنطقة في الوقت الذي يتراجع فيه الحضور الأميركي وينحسر نفوذه التقليدي الذي ظل مهيمناً لعقود.

​وفي ختام هذه القراءة الجيوسياسية يبدو أن القمة المرتقبة في بكين لن تكون مجرد لقاء بروتوكولي بين رئيسين بل ستكون محطة فاصلة لتأكيد المؤكد وهو أن ميزان القوى في آسيا قد مال بشكل كبير لصالح الصين التي استطاعت بذكاء وهدوء استغلال العثرات الأميركية في الشرق الأوسط لبناء نظام إقليمي جديد تكون هي قطبه الأوحد والمحرك الرئيسي لجميع تفاعلاته المستقبلية.

​ويظل التحدي الأكبر أمام واشنطن هو كيفية استعادة هذه الثقة المفقودة وإعادة بناء تحالفاتها المهتزة في وقت تواصل فيه بكين تمددها الناعم والصلب في آن واحد مستندة إلى قاعدة اقتصادية متينة ورؤية سياسية لا تتأثر بتبدل الإدارات أو تقلبات الأمزجة السياسية الداخلية مما يجعل معركة النفوذ في القارة الآسيوية تدخل مرحلة جديدة وحاسمة ومصيرية لكل الأطراف المعنية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق