محليات
20
رؤية جعلت الأسرة والإنسان محور نهضة وطنية متكاملة
❖ محمد الجعبري
- 18 عاماً من البناء الاجتماعي صنعت منظومة الرعاية في قطر
- منظومة غير مسبوقة من المؤسسات الاجتماعية المتخصصة
- المنظومة استهدفت الأسرة والمرأة والطفل وذوي الإعاقة
- رعاية الأيتام والمرأة وكبار السن كانت على رأس أولوياته
- «النور».. دور محوري في توفير التعليم والتأهيل للمكفوفين
- «الشفلح».. علامة فارقة في مسيرة خدمة ذوي الإعاقة
- «وفاق».. خطوة هدفت إلى تعزيز استقرار الأسرة القطرية
- «دريمة».. وفر الرعاية للأطفال الأيتام وفاقدي السند الأسري
- «إحسان».. حافظ على الدور الفاعل لكبار القدر داخل المجتمع
لم يكن التحول الذي شهدته دولة قطر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي مجرد نهضة اقتصادية وعمرانية، بل كان مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء الإنسان، انطلاقاً من قناعة بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى كل فرد في المجتمع، خصوصاً الفئات الأولى بالرعاية.
وخلال مرحلة حكم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، من عام 1995 حتى عام 2013، شهدت الدولة تأسيس منظومة غير مسبوقة من المؤسسات الاجتماعية المتخصصة، استهدفت تمكين الأسرة، وحماية المرأة والطفل، وتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة، ورعاية الأيتام، والاهتمام بكبار القدر ، وتوفير خدمات الإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي.
ولم تكن هذه المؤسسات مبادرات منفصلة، بل جاءت ضمن رؤية تنموية جعلت التنمية الاجتماعية شريكاً للتنمية الاقتصادية، وهو ما انعكس لاحقاً في ركائز رؤية قطر الوطنية 2030 التي وضعت التنمية البشرية والاجتماعية في صدارة أولوياتها.
- من المساعدة إلى التمكين
كانت أولى خطوات هذا التحول مع تأسيس مركز الإنماء الاجتماعي «نماء» عام 1996، الذي مثّل نقلة في مفهوم العمل الاجتماعي، حيث انتقل من تقديم المساعدات إلى بناء القدرات وتمكين الأفراد اقتصادياً واجتماعياً، حيث ركز المركز على تنمية مهارات الشباب، وتأهيل الباحثين عن العمل، وتشجيع ريادة الأعمال، ودعم الأسر المنتجة، بما عزز ثقافة الاعتماد على الذات والإنتاج، ورسخ مفهوم أن التنمية الاجتماعية لا تتحقق بالمساعدات وحدها، وإنما بإتاحة الفرص وبناء القدرات.

- دعم ذوي الإعاقة
وفي عام 1999، جاء تأسيس مركز الشفلح للأشخاص ذوي الإعاقة ليشكل علامة فارقة في مسيرة الخدمات الاجتماعية بدولة قطر، حيث أصبح ولأول مرة، للأشخاص ذوي الإعاقة مؤسسة وطنية متخصصة تقدم برامج التدخل المبكر، والتعليم والتأهيل، والعلاج الوظيفي، والتدريب المهني، إلى جانب دعم الأسر وتمكينها من المشاركة في برامج التأهيل.
وأسهم المركز في ترسيخ مفهوم الدمج المجتمعي، ورفع مستوى الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ليصبح أحد أبرز النماذج الإقليمية في تقديم الخدمات المتخصصة، مواكباً للتطورات العالمية في هذا المجال.
- مركز النور للمكفوفين
إلى جانب الجهود التي استهدفت دعم الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال إنشاء مركز الشفلح، واصلت دولة قطر تطوير خدماتها المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية عبر مركز النور للمكفوفين وضعاف البصر، الذي اضطلع بدور محوري في توفير التعليم والتأهيل والرعاية لهذه الفئة، منذ تأسيسه في عام 1998.
شهد المركز منذ انطلاقه عملية تطوير شاملة، ضمت برامجه التعليمية والتأهيلية بما يتواكب مع التوجه الوطني نحو دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع وتمكينهم من مواصلة تعليمهم واكتساب المهارات التي تعزز استقلاليتهم.
وقد قدم المركز خدمات تعليمية متخصصة للطلاب المكفوفين وضعاف البصر، شملت تعليم القراءة والكتابة بطريقة برايل، والتدريب على مهارات الحركة والتنقل، واستخدام التقنيات المساعدة، إلى جانب برامج التأهيل النفسي والاجتماعي والإرشاد الأسري، بما يساعد الطلبة على الاندماج في البيئة التعليمية والمجتمع.
كما أسهم المركز في إعداد كوادر تعليمية متخصصة، وتوفير الوسائل التعليمية المناسبة، والتعاون مع المؤسسات الوطنية لتعزيز فرص التعليم الدامج، بما ينسجم مع سياسة الدولة في توفير فرص تعليم متكافئة لجميع فئات المجتمع.
وشكل مركز النور، إلى جانب مركز الشفلح ومركز مدى للتكنولوجيا المساعدة، أحد أهم أركان منظومة دعم وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في قطر، حيث تكاملت أدوار هذه المؤسسات لتوفير خدمات تعليمية وتأهيلية وتقنية تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز المشاركة المجتمعية.
- الأسرة محور التنمية
وشهد عام 2002 تأسيس مركز الاستشارات العائلية «وفاق»، في خطوة هدفت إلى تعزيز استقرار الأسرة القطرية، والحد من النزاعات الأسرية من خلال خدمات الإرشاد والتوجيه.
وتوضح البيانات الرسمية الصادرة عن المجلس الوطني للتخطيط أن خدمات المركز شملت استشارات اجتماعية ونفسية وقانونية وشرعية، قُدمت عبر المكالمات الهاتفية والحضور المباشر، واستفاد منها مواطنون ومقيمون من الجنسين، ما يعكس اتساع دائرة الاستفادة من خدمات المركز وتزايد الوعي المجتمعي بأهمية الاستشارة الأسرية.
وتبرز البيانات أيضاً تنوع احتياجات الأسر، حيث استحوذت الاستشارات الاجتماعية والنفسية على جانب كبير من الطلب، وهو ما يعكس الدور الوقائي الذي اضطلع به المركز في معالجة المشكلات قبل تفاقمها، إلى جانب دعم المقبلين على الزواج وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة.
- حماية الأيتام
وفي العام نفسه، تأسس مركز رعاية الأيتام «دريمة» بهدف توفير الرعاية للأطفال فاقدي السند الأسري، وفق رؤية تقوم على أن الأسرة هي البيئة الطبيعية لنمو الطفل.
وعمل المركز على تطوير برامج الاحتضان والرعاية الأسرية البديلة، إلى جانب تقديم خدمات التأهيل النفسي والاجتماعي والتربوي، بما يضمن للأطفال حياة مستقرة وفرصاً متكافئة للتعليم والاندماج المجتمعي.
ولم تقتصر رسالة «دريمة» على الرعاية، بل امتدت إلى تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق الطفل وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة تجاه هذه الفئة.
- الوفاء لجيل البناء
كما شهد عام 2002 إنشاء مركز تمكين ورعاية كبار القدر «إحسان»، الذي تبنى نهجاً مختلفاً في التعامل مع كبار القدر، يقوم على تمكينهم والحفاظ على دورهم الفاعل داخل المجتمع.
وقدم المركز خدمات الرعاية المنزلية، والبرامج الصحية والاجتماعية، والأنشطة الثقافية، إضافة إلى مبادرات لتعزيز التواصل بين الأجيال، انطلاقاً من القيم القطرية التي تجعل احترام كبار القدر ورعايتهم مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون واجباً مؤسسياً.
- التكنولوجيا لخدمة المعاقين
ومع التطور التقني المتسارع، جاء تأسيس مركز مدى للتكنولوجيا المساعدة عام 2010 ليؤكد توجه الدولة نحو توظيف الابتكار في خدمة التنمية الاجتماعية.
وعمل المركز على توفير حلول تقنية تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار القدر على التعليم والعمل والتواصل، كما لعب دوراً في نشر ثقافة الوصول الرقمي، وتشجيع المؤسسات على تطوير خدمات إلكترونية أكثر شمولاً.
- حماية المرأة والطفل
وفي عام 2013، شهدت قطر تأسيس مركز الحماية والتأهيل الاجتماعي «أمان»، الذي مثل محطة مهمة في استكمال منظومة الحماية الاجتماعية.
ويختص المركز بحماية النساء والأطفال من العنف والإساءة والإهمال، من خلال خدمات الحماية والإيواء، والتأهيل النفسي والاجتماعي، والدعم القانوني، وإعادة الدمج في المجتمع.
وتشير البيانات الرسمية إلى تنوع الخدمات التي يقدمها المركز للحالات المستفيدة من المواطنين والمقيمين، بما يعكس اتساع نطاق الحماية الاجتماعية، وحرص الدولة على توفير استجابة مؤسسية متخصصة للحالات الأكثر احتياجاً.
- منظومة مترابطة
وبالنظر إلى تسلسل إنشاء هذه المؤسسات، يتضح أنها لم تكن مشروعات منفردة، بل حلقات في منظومة متكاملة؛ فـ»نماء» اهتم بالتمكين الاقتصادي، و»الشفلح» بالأشخاص ذوي الإعاقة، و»وفاق» باستقرار الأسرة، و»دريمة» بالأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، و»إحسان» بكبار القدر ، و»مدى» بالتكنولوجيا المساعدة، بينما جاء «أمان» ليعزز منظومة الحماية الاجتماعية.
- سلامة المجتمع النفسية
انطلاقاً من تعزيز القيم المجتمعية الإيجابية، جاء دور مركز دعم الصحة السلوكية ليعمل بالتوازي مع بقية المؤسسات على الجانب الوقائي والتوعوي والعلاجي للمشاكل السلوكية والنفسية، وحماية الشباب والمراهقين من الانحرافات السلوكية، وبناء مجتمع محصن فكرياً وقيمياً.
هذا التكامل منح العمل الاجتماعي في قطر طابعاً مؤسسياً قائماً على التخصص، وأسهم في رفع جودة الخدمات وتوسيع نطاق المستفيدين، بما جعل التجربة القطرية إحدى أبرز التجارب في المنطقة في مجال التنمية الاجتماعية.
- إرث يتجاوز المؤسسات
لم يكن الإرث الاجتماعي للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مجرد إنشاء مراكز جديدة، بل تمثل في ترسيخ فلسفة تنموية تعتبر الإنسان أساس النهضة، والأسرة حجر الزاوية في بناء المجتمع.
واليوم، وبعد مرور سنوات على تأسيس تلك المؤسسات، ما تزال تؤدي أدواراً محورية في تنفيذ السياسات الاجتماعية للدولة، وتطوير خدماتها بما يتواكب مع المتغيرات المجتمعية، مؤكدة أن الاستثمار في الإنسان كان، ولا يزال، أحد أهم ركائز التجربة التنموية القطرية.
وبذلك، تبقى الفترة الممتدة بين عامي 1995 و2013 واحدة من أهم المراحل في تاريخ العمل الاجتماعي في قطر، إذ أرست الأسس التي بنيت عليها منظومة متكاملة للحماية والتمكين، ما جعل التنمية الاجتماعية شريكاً رئيسياً في مسيرة التنمية الشاملة للدولة.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية

















0 تعليق