ثقافة وفنون
8
عبرت عن مأساة غزة إبداعياً ..
❖ أجرى الحوار- طه عبدالرحمن
- نجاح المشهد لا يقاس بعدد الكتب والفعاليات بل بالأثر المستدام
- النقد واكتشاف المواهب.. مساحات تحتاج إلى حضور أوسع
- «غبار الأحرار» رواية ترصد صمود غزة خلف الخبر
- أتمسك بتنوع الإبداع أكثر من الرواية
- الإنسان هو مركز الحكاية في أعمالي الروائية
- الفن علمني أن أرى والرواية منحتني الكلمات لأحكي ما أراه
- مهمتي ليست توثيق الحدث بل التوازن بينه وبين الرواية
من الفقد بوصفه تجربة شخصية إلى الفقد بوصفه جرحاً جماعياً، تتشكل ملامح التحول في التجربة الروائية للكاتبة مي النصف المنصوري، التي انتقلت من مساءلة الغياب وأثره في الذات إلى مقاربة الإنسان وهو يواجه الحرب والاقتلاع وتهديد المكان. وفي روايتها الجديدة «غبار الأحرار» تتخذ الكاتبة غزة فضاءً إنسانياً تتجاوز فيه الرواية تسجيل الحدث إلى تفكيك آثاره في الذاكرة والمصير والانتماء، ولا تنفصل هذه الرؤية عن حضور الوطن والهوية في تجربتها الروائية الأخرى «عابر سبيل»، والتي يتبدى الوطن فيها حلماً وبناءً ومستقبلاً. وبين الرواية والفن التشكيلي والعمل الثقافي، تتسع تجربة الكاتبة الإبداعية بحثاً عن مساحات مختلفة للتعبير عن الإنسان والجمال والفكرة، بما يجعل تعدد الأدوات امتداداً لمشروع واحد، وليس تكراراً لأشكال متباينة.
وفي حوارها لـ "الشرق"، تقرأ الكاتبة مي النصف المشهد الثقافي باعتباره حراكاً متنامياً يمتلك المؤسسات والفرص، لكنه يظل بحاجة إلى تعميق النقد، وتوسيع دوائر القراءة، ودعم رحلة الكتاب بعد صدوره، وتعزيز حضور الأدب القطري خارج حدوده المحلية عبر الترجمة والمشاركة الثقافية، فضلاً عن حديثها عن محاور أخرى، جاءت على النحو التالي:

◄ من «مناجاة روح» إلى «غبار الأحرار» تبدو تجربتك الروائية مشدودة إلى ثيمات الفقد والغياب والأمل والصمود والانتماء، فما الذي تبحثين عنه في الإنسان من خلال هذه الثيمات؟
في كل هذه الثيمات أبحث عن الإنسان عندما يوضع أمام ما لا يستطيع تغييره؛ فمن «مناجاة روح» إلى «غبار الأحرار» تغيّرت رؤيتي الروائية ونضجت، ورغم أن البدايات كانت أقرب إلى صوت الإنسان من الداخل، إلا أن الدائرة اتسعت، ليصبح الإنسان، هو الذي يشغلني، كونه جزءاً من ذاكرة ومكان ووطن وتاريخ. لذلك أشعر أنني لم أبتعد عن الإنسان من عمل إلى آخر، بل أقترب منه من زوايا مختلفة، وما تغير أنني لم أعد أبحث عما يفعله الفقد بالإنسان، بل عما يستطيع أن يفعله بعد الفقد.
◄ في «مناجاة روح» نرى في الفقد تجربة فردية، ، بينما نراه في «غبار الأحرار» جُرحاً جماعي، فكيف انتقلتِ من مساءلة الألم الشخصي إلى مساءلة الآخر الإنساني العام؟
الانتقال لم يكن قراراً واعياً بقدر ما كان اتساعاً في رؤيتي للإنسان، ففي «مناجاة روح» كان الفقد قريباً من الفرد؛ أما في «غبار الأحرار» فخرج الألم من حدود الفرد ليصبح ألماً تشترك فيه عائلات ومدن وأوطان بأكملها.
ولا أرى أن الألم الشخصي منفصل عن الآخر الإنساني العام؛ فالحرب لا تُروى بالأرقام، بل بما تفعله بحياة الإنسان، وما تغير في كتابتي؛ أنني أصبحت أرى أن الحكاية الفردية قد تكون المدخل الأصدق لفهم مأساة جماعية كاملة. لذلك في «غبار الأحرار» لم أرد أن أكتب عن الحرب بقدر ما كتبت عن الإنسان داخلها.
- مأساة غزة روائياً
◄ في «غبار الأحرار» اخترتِ الاقتراب من مأساة غزة من خلال الإنسان داخل الحدث، وليس من خلال الحدث وحده، فكيف وازنتِ بين البعد الإنساني للقضية وبين المسؤولية الفنية للروائي؟
هذا من أكثر الأمور التي حرصت عليها في «غبار الأحرار»، فـ «غزة» قضية تحمل ثقلاً إنسانياً وتاريخياً كبيراً، وعندما دخلت إليها روائياً لم أرد كتابة خطاب سياسي، بل أردت الاقتراب من الإنسان الذي يعيش خلف الخبر.
وأؤمن أن الرواية لا تحتاج أن تقول للقارئ ماذا يجب أن يشعر، بل تضعه أمام حياة كاملة تجعله يشعر من تلقاء نفسه، لذلك جعلت الحرب حاضرة من خلال أثرها، ودوري كروائية ليس توثيق الحدث، وإنما البحث عما لا تستطيع الأرقام والتقارير أن تنقله، ولهذا حافظت على المسافة بين القضية والرواية؛ وأن تكون القضية حاضرة بقوتها وصدقها، دون أن تطغى على الشخصيات أو تحوِّلها إلى أصوات لشعارات.
- صمود «الأحرار»
◄ وماذا أردتِ قوله من خلال رواية «غبار الأحرار» التي جعلتِ منها رمزاً للدمار والصمود معاً؟
أردت القول بأن الدمار يستطيع أن يغيّر شكل المكان، لكنه لا يستطيع هزيمة الإنسان الذي ينتمي إليه، ولهذا كان الغبار يحمل أكثر من معنى، وكنت أبحث في الرواية عن تلك المساحة التي يقف فيها الإنسان بين الانكسار والصمود، فالصمود بالنسبة لي لا يعني غياب الخوف أو الحزن، بل أن يجد الإنسان سبباً يجعله يستمر، أما «الأحرار» فهم أولئك الذين قد يُسلب منهم البيت والأمان والكثير من تفاصيل حياتهم، لكن تبقى هناك أشياء يصعب انتزاعها.
لذلك جمعت في العنوان بين «الغبار» و«الأحرار»، بين ما تخلّفه الحرب من دمار، وما يبقى بعدها من إنسان، عبر رسالة أردت أن تبقى بعد الصفحة الأخيرة، وهي أن الحرية لا تبدأ من المكان، ولكنها تبدأ من داخل الإنسان، ورفضه التحول إلى رماد.
- الوطن والإنسان
◄ في «عابر سبيل» تكتبين عن قطر من خلال حلم قائد يرى الوطن في قلبه، بينما تذهب «غبار الأحرار» إلى جغرافيا إنسانية مختلفة، فكيف توظفين الرواية لبناء صورة الوطن والإنسان والهوية، دون أن تفقد الرواية استقلالها الفني؟
الوطن في الرواية ليس مجرد جغرافيا أو مكان تدور فيه الأحداث، بل هو علاقة الإنسان بالمكان، وبالذاكرة، وبما يشعر أنه ينتمي إليه، ولهذا قد تختلف الجغرافيا بين «عابر سبيل» و«غبار الأحرار»، لكن الإنسان يظل هو مركز الحكاية.
في «عابر سبيل» حضرت قطر من خلال رؤية قائد يحمل وطناً في قلبه قبل أن يراه واقعاً، فكان الوطن مرتبطاً بالحلم والبناء والإيمان بالمستقبل. أما في «غبار الأحرار»، فنرى الوطن من زاوية مختلفة؛ من خلال الإنسان الذي يخشى فقد المكان ويتمسك به.
وعندما أكتب عن الوطن أو الهوية، أحرص على عدم تحول الرواية إلى خطاب مباشر؛ لإيماني بأن الرواية لا ينبغي أن تشرح قيمة الوطن للقارئ، بل تجعله يشعر بها من خلال الشخصيات ومصائرها.
وأحاول دائماً أن يبقى الوطن جزءاً عضوياً من الحكاية، لا فكرة مفروضة عليها؛ ففي «عابر سبيل» نراه من خلال الحلم، وفي «غبار الأحرار» نراه من خلال الخوف من فقده والتمسك به.
- تنوع الإبداع
◄ لديكِ تجارب في الرواية والفن التشكيلي، إلى جانب عملك في المجال الثقافي والتدريب في تنمية الذات، فهل ترين هذه المجالات مسارات إبداعية منفصلة، أم أن بينها مشروعاً متكاملاً؟
لا أحب أن أحصر نفسي في مساحة إبداعية واحدة، ولهذا تبدو اهتماماتي بين الرواية، والفن التشكيلي، والعمل الثقافي، والتدريب في تنمية الذات، وصولاً إلى تجربتي في تأسيس علامتي «Primeroo»، ولا أرى كل ذلك عوالم منفصلة، بل أراها طرقاً مختلفة أعبّر من خلالها عن الإنسان، والجمال، والفكرة التي يمكن أن تترك أثراً.
وفي الرواية أعبّر بالكلمة، وفي الفن التشكيلي بالصورة واللون، وفي التدريب أقترب من الإنسان مباشرة وأحاول أن أفتح معه مساحة لاكتشاف ذاته وإمكاناته. أما «Primeroo»، فقد نقلت جزءاً من أفكاري من الورق والخيال إلى شيء يمكن لمسه ورؤيته واقتناؤه. وأعتقد أن تعدد الهوايات ليس تشتتاً، بل فضول دائم تجاه الحياة.
◄ وهل تتدخل عين الفنانة التشكيلية الرؤى الفنية في بناء المشهد الروائي ووصف الشخصيات والأمكنة؟
أعتقد أن الرؤية الفنية تتسلل إلى كتابتي من دون أن أشعر، فعندما أكتب مشهداً لا أراه كلمات فقط، بل أراه أمامي بصورة شبه مكتملة، وأعتقد أن أحد أجمل اللقاءات بين الفن والرواية، أن الفن علمني أن أرى، والرواية منحتني الكلمات لأحكي ما أراه، والتجربة جعلتني أبحث عما يمكن أن يعيشه القارئ بعد الكلمات.
◄ ما الذي يجعلكِ متمسكة بالرواية تحديداً، رغم تعدد أدواتك وتجاربك الإبداعية؟
لست متمسكة بالرواية تحديداً، إذ أراها المساحة التي أستطيع الإبداع فيها، فهى تمنحني مساحة لبناء الإنسان والمكان والذاكرة، ولا أحب أن أضع نفسي داخل قالب واحد، ولا يجب أن يكون الكاتب أسيراً لشكل بعينه، ولذلك قد تبقى الرواية جزءاً مهماً من تجربتي، لكنها ليست المسار الوحيد. ولديَّ فكرة أعمل عليها حالياً غير الرواية، وسيأتي وقت طرحها، ما يعني أن تمسكي بالإبداع أكثر من تمسكي بالرواية.
◄ تنوعت أعمالك بين «مناجاة روح» و«عابر سبيل» و«ربيع لا يأتيه شتاء» و«غبار الأحرار» وغيرها، فهل يعكس هذا التنوع تحولات في تجربتك الإنسانية والفكرية؟
أعتقد أنه مزيج من الأمرين، فكل عمل يحمل شيئاً من المرحلة التي كُتب فيها؛ من أسئلتي ونظرتي للحياة وما يشغلني فكرياً وإنسانياً في ذلك الوقت، ومن الطبيعي أن تتغير معنا الكتابة، لذلك أستطيع أن أرى شيئاً من تحولي الشخصي والفكري عندما أنظر إلى أعمالي بترتيبها الزمني.
وهناك رغبة في عدم تكرار نفسي، فلا أحب الانتهاء برواية، لأبدأ بأخرى تشبهها، وأشعر أن كل عمل جديد يجب أن يضعني أمام تحدٍ لم أخضه من قبل، ولهذا انتقل بين عوالم متباينة.
◄ بعد كل تجاربك هذه، ما الذي تبحثين عنه إبداعياً؟ وما المفاجأة التي يمكن أن ينتظرها القارئ منكِ في المرحلة المقبلة؟
ما زلت أبحث عن دهشتي أولاً قبل دهشة القارئ، ففي اللحظة التي أشعر فيها أنني أكرر ما فعلته، أعرف أن الوقت قد حان لأذهب إلى مساحة جديدة.
وما يشغلني هو الفكرة؛ فإذا جاءتني فكرة تستحق أن تتحول إلى رواية سأكتبها، وإذا وجدت أنها تحتاج إلى شكل آخر فسأذهب معها إلى ذلك الشكل، حتى لو كان جديداً عليّ.
- تطور المشهد
◄ من موقعك ككاتبة وفاعلة في المجال الثقافي القطري، كيف تقيمين المشهد الأدبي والثقافي في قطر اليوم؟
أراه مشهداً حياًَ ومتطوراً، فهناك اهتمام بالكتاب والكاتب، إلى جانب تعدد المؤسسات والمبادرات والفعاليات التي تمنح المبدع فرصاً للظهور والتواصل مع الجمهور. ومن الأشياء الجميلة في المشهد القطري وجود جيل جديد لديه رغبة في الكتابة والتجربة، كما هناك أسماء وتجارب سبقتنا وأسهمت في بناء الحركة الأدبية، وهذا التنوع بين الأجيال يمنح المشهد ثراءً، كما أن لدينا مساحة يمكن الذهاب إليها، بحضور أوسع للنقد الأدبي الجاد، ومساحات أكثر لمناقشة الكتب بعد صدورها، وبرامج أخرى لاكتشاف الكتّاب الشباب وتطوير أدواتهم، ووصول الأدب القطري إلى القارئ خارج قطر، عبر الترجمة والمشاركة والحضور في المنصات الثقافية العربية والعالمية.
ولا أقيس نجاح المشهد الثقافي بعدد الكتب التي تصدر أو الفعاليات التي تقام، وإنما بما يحدث بعد ذلك: هل وصل الكتاب إلى قارئه؟ هل ناقشه أحد؟ هل أثار سؤالاً؟ وهل استطاع أن يعبر الحدود ويقدم شيئاً من ثقافتنا وهويتنا إلى الآخر؟
لدينا في قطر بنية ثقافية وفرص جيدة، وأعتقد أن المرحلة القادمة يجب أن تركز على تحويل هذا الحراك إلى أثر ثقافي مستدام.
- إبداع مستدام
◄ وهل ترين أن البيئة الثقافية الحالية تتيح للكاتب والفنان بناء مشروع إبداعي مستمر؟ أم أن هناك تحديات لا تزال بحاجة إلى معالجة، خصوصاً فيما يتعلق بحضور الأدب القطري وانتشاره؟
البيئة الثقافية في قطر تتيح فرصاً جيدة للكاتب والفنان لبناء مشروع إبداعي مستمر، لكن وجود الفرصة شيء، وتحويلها إلى مشروع إبداعي مستدام شيء آخر؛ وهذه مسؤولية مشتركة بين المبدع والمنظومة الثقافية المحيطة به.
الكاتب نفسه مطالب بأن يستمر ويطور أدواته، لكن هناك تحديات ما زالت تستحق العمل عليها، وأبرزها وصول الأدب القطري إلى ما بعد حدود قطر، فلدينا تجارب وأصوات تستحق أن تُقرأ عربياً وعالمياً.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية


















0 تعليق