حلب.. حروب الخوف والتعنت

عنب بلدي 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أحمد عسيلي

بدأت، كما كان متوقعًا، حرب بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والسلطة السورية، حرب كان كثيرون يأملون تجنبها، لكن كثيرين كانوا يدركون، ولو بالحدس، صعوبة تفاديها، فالتراكمات السياسية، وانسداد مسارات التسوية، وتبادل الشكوك حول النيات والضمانات، بالإضافة إلى وجود أطراف كثيرة لا ترغب بالتسوية كل لأسبابه الخاصة، جعلت المواجهة احتمالًا مرجحًا أكثر من كونها مفاجأة.

وإذا كانت المعارك على الأرض تدور في حلب، وخاصة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الأغلبية الكردية، إلا أن أثر هذه الحرب لم يبقَ عسكريًا فقط، فمع القتال وسقوط الضحايا، انتقلت المواجهة سريعًا، كالعادة، إلى وسائل التواصل الاجتماعي ثم إلى الإعلام، بل واقتحمت المجتمع ككل، لتؤثر على بنية العلاقات الاجتماعية، وبدأت تتشكل معركة موازية في الخطاب واللغة والمواقف، تُرافق المعارك على الأرض وتمنحها معنى وتبريرًا.

في هذا المستوى، لا تعكس الحرب فقط صراعًا سياسيًا أو عسكريًا، بل تعيد إظهار سلسلة من الاختلالات والآليات النفسية التي رافقت المسار السوري طوال سنوات، وأسهمت تدريجيًا في الوصول إلى هذه اللحظة، من هنا، يصبح من الصعب فهم ما يجري دون التوقف، ولو قليلًا، عند البعد النفسي للصراع، لا بوصفه بديلًا عن التحليل السياسي، بل بوصفه مستوى مكملًا يشرح كيف تُدار المخاوف، وكيف تُبنى المواقف، وكيف يتحول الخلاف إلى استعصاء.

وأكثر ما يلفت النظر هنا كأحد هذه الاختلالات النفسية، هو نفي شرعية قلق الطرف الآخر، فكل طرف يتعامل مع خوفه بوصفه الخوف الوحيد الواقعي والعقلاني، فيما يُجرَّد خوف الخصم من المشروعية ويُقدَّم كذريعة أو مبالغة أو مناورة سياسية، من جهة، يرفض كثير من الأكراد تسليم سلاحهم لسلطة يرون، بحكم الذاكرة والتجربة الخاصة، أنها قد تنقلب عليهم إذا باتوا بلا حماية، وسواء كان هذا الخوف واقعيًا بالكامل أم مبالغًا فيه، فهو خوف مُعاش ومنظَّم نفسيًا، لا يمكن شطبه بخطاب أو وعود. لا ينفي كثيرون أن “قسد” ليست نموذجًا أخلاقيًا، و قد مارست بالفعل انتهاكات خطيرة، لكن المقارنة هنا لا تُجرى أخلاقيًا بقدر ما تُجرى وجوديًا: هذه إدارة نعرفها ونحسب مخاطرها، في مقابل سلطة نخشى عواقبها، المنطق ذاته نجده لدى أنصار السلطة، الذين قد يقرّون بالتجاوزات التي ارتُكبت خلال هذه السنة، لكنهم يرون فيها أيضًا أفضل المتاح.

المشكلة لا تكمن في هذا الاختيار الدفاعي بحد ذاته، بل حين يتحوّل إلى إنكار كامل لحق الطرف الآخر في القلق، وكأن الخوف يُقيَّم أخلاقيًا لا يُفهم نفسيًا.

من هذا الإنكار، ننتقل إلى مستوى نفسي أعمق، يتمثّل في التعنّت بوصفه آلية دفاع نفسية، فرفض أي خيار بديل، وتجريم مجرد التفكير بقبول بعض التنازلات، لا يعكسان قوة موقف بقدر ما يعكسان خشية من الانكشاف ومن مواجهة هشاشة هذا الموقف، التعنت هنا يعمل كحصن نفسي يحمي صاحبه من الانهيار الداخلي، ويمنعه من الاعتراف بأن الواقع لا يسمح بانتصار كامل أو بحلول نقية، يشبه ذلك، نفسيًا، صاحب التدين الهش، فهو يرفض دائمًا رؤية مباهج الدنيا، لا زهدًا خالصًا بل خوفًا من ألا يصمد إيمانه أمام الإغراء، الرفض القاسي للآخر، في هذه الحالات، لا يكون دليل قوة، بل علامة ضعف، و خوف من التشتت، وأيضًا محاولة للبقاء في منطقة أمان نفسية ضيقة.

ومع تعمّق هذا التعنت، تظهر آلية أكثر خطورة، لا تقوم على نفي الإنسانية بشكل مباشر، بل على إزاحتها عبر اختزال الآخر في صفة واحدة تُمنَح هوية كاملة، في الخطاب السائد، لا يُقدَّم الخصم بوصفه بشرًا أو شريكًا في وطن، له حقوق، و لديه مخاوفه، بل وتناقضاته أيضًا (وهذه هي الطبيعة البشرية)، بل بوصفه داعشيًا، إرهابيًا، انفصاليًا، خائنًا، أو أداة للخارج سواء لتركيا أو جبل قنديل، بهذا الاختزال، يُفرَّغ الآخر من تاريخه ودوافعه ومخاوفه، ويُعاد تعريفه كـ”حالة” أو “مشكلة” يجب إنهاؤها، لا كفاعل إنساني، وشريك يجب فهمه والتفاوض معه. هذه اللغة تهدف غالبًا إلى تأمين توازن نفسي يسمح بتقبّل العنف من دون صراع داخلي، حيث يصبح القتل إجراء مبرَّرًا لا فعلًا إشكاليًا.

ومع تراكم هذه الآليات، يصل الصراع إلى ذروته، في رفض السياسة كفعل، لا تفاوض، لا حلول وسط، بل حرب ثم حرب ثم حرب، مع أن الجميع يعرف، تاريخيًا وواقعيًا، أن هذا النوع من الحروب ينتهي دائمًا بحل ما، غير أن المفارقة القاسية تكمن في أن هذا الحل غالبًا ما تتحمل تبعاته الأخلاقية القيادة الذي تقبل به، أي من يوقّع القرار ويتحمل وزره، فيما يمارس جمهور كلا الطرفين مزاودة أخلاقية بلا مسؤولية، فيبدو الرفض المتشدد أكثر نقاء، ويُقدَّم القبول بالحل بوصفه ضعفًا أو خيانة، رغم أن هذا الرفض نفسه يكون في الغالب تعبيرًا عن عجز عن تحمل التعقيد والواقعية.

في الخلاصة، لا يبدأ الخروج من دوامة هذا العنف بالسلاح ولا بالشعارات، بل بالاعتراف المتبادل بالخوف بوصفه معطى نفسيًا واقعيًا، وبالوعي بأن المزاودة الأخلاقية لم تُنهِ يومًا حربًا ولم تحمِ دمًا، ما يمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا هو رفع شأن العقل، وشأن المسؤولية، وشأن الواقعية، وأحيانًا القبول بقرارات جريئة يتحمل وزرها من يشارك فعليًا في الحرب، سواء داخل “قسد” أو داخل السلطة، بدل استمرار حرب كاملة يدفع ثمنها الجميع.

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق