نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
انشقاق اللواء القبة: لحظة سقوط منطق الحرب بالوكالة وصعود معادلة الشرعية في السودان, اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 06:42 صباحاً
في الحروب غير النظامية لا تقاس التحولات الحقيقية بعدد الكيلومترات التي تتقدمها القوات على الأرض، إنما بعمق التصدعات التي تصيب بنية الولاء داخل التشكيلات المسلحة. فهناك لحظات لا تبدو في ظاهرها سوى حدث ميداني عابر لكنها في جوهرها تمثل نقطة انعطاف في مسار الصراع، لأنها تكشف أن التماسك الداخلي بدأ يتآكل وأن ما كان يدار بمنطق «الوظيفة» بات يواجه سؤال «الاستمرارية». من هذا المنظور لا يمكن قراءة انشقاق اللواء النور القبة إلا كإشارة مبكرة على تحول أعمق في طبيعة قوات الدعم السريع من أداة قابلة للاستخدام إلى كيان يقترب تدريجيا من فقدان شروط بقائه.
وبالتالي فإن الدلالة أعمق، إذ نعتبره كإشارة بنيوية على تصدع نموذج الوكالة الذي قامت عليه قوات الدعم السريع خلال السنوات الماضية. فاللواء النور القبة لا يمثل مجرد قائد ميداني إنما شخصية مركزية داخل شبكة ولاءات (قبلية - عسكرية - اقتصادية)، وانفكاكه يعني أن سلسلة الثقة داخل هذا التشكيل بدأت تفقد تماسكها.
في منطق الحروب غير النظامية الميليشيا لا تهزم أولا في الميدان بل في بنية الولاء. وما جرى هنا يعكس انتقالا من ولاء قائم على المنفعة (التمويل، الغنيمة، الحماية) إلى ولاء يبحث عن الشرعية والبقاء طويل الأمد. وهذا التحول غالبا ما يحدث عندما يدرك الفاعلون المحليون أن الكلفة المستقبلية للارتباط بمشروع غير معترف به دوليا أصبحت أعلى من مكاسبه الآنية.
انضمام القبة إلى الجيش السوداني يحمل ثلاث دلالات استراتيجية متداخلة:
أولا: إعادة ترجيح مفهوم «الدولة» مقابل «الميليشيا». الجيش مهما حاول أصحاب المشاريع تشويهه، يظل الحامل القانوني للسيادة، والانضمام إليه يعيد التموضع داخل الإطار المعترف به دوليا. هذا ليس خيارا أخلاقيا بقدر ما هو إعادة تموضع عقلاني في ضوء معادلة الشرعية.
ثانيا: بداية تشقق «نموذج الدعم الخارجي»، أي ميليشيا تعتمد على رافعة خارجية تحتاج إلى تماسك داخلي صارم لتعويض هشاشة شرعيتها. وعندما تبدأ الانشقاقات فإن الرسالة الضمنية لبقية القادة هي: الضامن الخارجي لم يعد كافيا لحماية المسار أو ضمان المستقبل. وهنا يظهر التناقض في حروب الوكالة: الدعم الخارجي يقوي الميليشيا تكتيكيا لكنه يضعفها استراتيجيا لأنه يؤخر بناء شرعية داخلية حقيقية.
ثالثا: تحول في «اقتصاد الحرب». الدعم السريع بني جزئيا على اقتصاد مواز (ذهب، تهريب، سيطرة على موارد) بينما الجيش يمثل بوابة العودة إلى الاقتصاد الرسمي وحمايته. عندما يبدأ قادة ميدانيون بالانتقال فهذا يعني أن اقتصاد الظل لم يعد يضمن الاستمرارية أو الأمان، وأن هناك إدراكا بأن لحظة الحقيقة قادمة ومن يتأخر عن التموضع داخل الدولة سيدفع الثمن.
أما على مستوى التوازنات الأوسع، فإن هذا التطور يضغط على معادلة الدعم الإقليمي. أي تراجع في تماسك الدعم السريع يقلل من قدرة داعميه على استخدامه كأداة نفوذ مستقرة، ويحوله من «أصل استراتيجي» إلى «عبء سياسي»، وفي المقابل يمنح الجيش السوداني فرصة لإعادة تقديم نفسه كشريك يمكن التعامل معه في ترتيبات ما بعد الصراع.
ما جرى مؤشر على دخول الصراع مرحلة إعادة فرز كبرى، حيث تتقدم مفاهيم الشرعية والدولة على حساب منطق الوكالة والاقتصاد الموازي. وإذا استمر هذا النمط من الانشقاقات فإن الدعم السريع لن يواجه فقط تحديا عسكريا لكن إلى جانب ذلك أزمة وجودية في بنيته الوظيفية نفسها، لأن الميليشيا حين تفقد ثقة نخبها الوسيطة تفقد قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها. عند هذه النقطة يتحول السؤال من «من يسيطر على الأرض؟» إلى «من يملك المستقبل؟»، وهو سؤال تميل كفته تدريجيا لصالح الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على إنتاج الشرعية والاستمرارية في آن واحد.
TurkiGoblan@








0 تعليق