نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
النسب الأدبي في زمن الذكاء الاصطناعي, اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 06:42 صباحاً
لكن تجربة «بريسيو» مع موقع متخصص في اكتشاف الذكاء الاصطناعي أثبتت أن مقالا كتب بشريا صنف على أنه منتحل من الذكاء الاصطناعي، وبعد تعديلات مبنية على إحصائيات، قال الموقع نفسه بقدرة خوارزمية: إن المقال كتب بشريا دون أي تدخل من الذكاء الاصطناعي. والسؤال الذي أطرحه، ساخرا وجادا: ما المشكلة في أن يكتب الذكاء الاصطناعي - بواسطة إنسان - مقالا جميلا ممتعا؟ لماذا نعادي ما يكتبه الذكاء الاصطناعي؟ أم أن المشكلة ليست في النص، إنما في «هوية» من كتبه، وكأننا في محكمة نسب وقبائل أدبية؟
ولمعالجة هذه المشكلة، سأعقد مقارنة فاضحة: يرفض الإنسان أن يكتب الذكاء الاصطناعي رواية، بينما يقبل في السينما بالخدع السينمائية التي تزيد من إثارة الأفلام. فمن غير المعقول في الفيلم أن يقفز البطل من ثلاثة أدوار دون أن يصاب بشيء، ومع ذلك نصفق له. ومن غير المتوقع أن يستمر البطل حيا رغم عشرات المحاولات لقتله، وينجو كل مرة بمعجزة، ومع ذلك نشتري التذكرة. ولولا قدرات البطل غير الطبيعية لما عاش من أول محاولة، ولولا تقنيات غير طبيعية لما صدقنا المشهد أصلا. نقبل الخدع السينمائية من أدوات الذكاء الاصطناعي حين تشاهد، ولا نقبلها حين تقرأ؟! ربما لأن الشاشة تسامح، بينما الإنسان يحاسِب.
مثال آخر في التوزيع الموسيقي: تتدخل الآلة بنسب مرتفعة، ومع هذا لا أحد يقول بأن هذا العمل الموسيقي ليس بشريا! ولا يطالب أحد بإلغاء الأجهزة والعودة إلى الطبول. وفي التصوير كذلك، فالكاميرات الرقمية الحديثة تقوم بالكثير، بما في ذلك التصفية والمعالجة، وليس للإنسان إلا زاوية الصورة وأحيانا حتى هذه تقترحها الكاميرا. ورغم كل شيء ليس هناك من ينتقد هذه التقنية لغياب الإنسان فيها. والأمثلة لن تتوقف، لكن يبدو أن المشكلة تظهر فقط عندما تمسك الأداة بالقلم.
لماذا يتم انتقاد مقال كتب بالذكاء الاصطناعي أو بمساعدته؟ إن الإبداع هنا يأتي في تطويع الذكاء الاصطناعي لإنتاج عمل مثير، أو رواية جذابة مدهشة، أو تداخل علمي فريد. وعموما، المجال مفتوح: تفضل، هذا هو الذكاء في الكتابة، فهل يمكنك أن ترينا إبداعك في استخدامه؟ حتى لو جاء تقرير موقع كشف الذكاء الاصطناعي بأنه من إنتاج الذكاء الاصطناعي بنسبة 200%؛ هي نسبة تليق بالثقة العمياء.
وحتى تكتمل الحكاية، هذا هو السؤال، وإليك الإجابة التي أقترحها: يقاوم الناس التغيير، ولأن توليد النصوص عبر الذكاء الاصطناعي يبدو حدثا جديدا لدى الناس، فإن رفضه يبدو طبيعيا جدا. لا يتوقع أن يتقبله الناس من أول نظرة، بل سيبدو مزيفا للواقع، يخبر بخلاف الحقيقة، وأن الناس يجب أن تبدع دون الاستعانة بشيء، وكأن الإبداع ولد يوما في فراغ. (هل يوجد كاتب لا يستعين بتجربته، أو قراءاته، أو معلومات من سبقه؟ هل يبدو هذا تزييفا، أم أنه فقط تزييف عندما تقوم به آلة؟)
بقي أن أشير - من باب العدل - إلى نقطة واحدة: يتصور الناس تلقائيا أن صاحب أي مقال لا بد أنه كتبه بنفسه دون مساعدة الذكاء الاصطناعي، وأن كتابته بمساعدة هذه الأداة يعد غشا ما لم يفصح عن ذلك. ولذلك أقول: نعم، إن كان هذا في ذهن القارئ، فربما يجدر بأحدهما أن يغير سلوكه؛ إما أن يتوقع القارئ أن الكاتب قد استعان بالذكاء الاصطناعي ويتأقلم معه ويقبله كما يقبل الفيلم - دون أن يسأل عن كواليس المؤثرات - أو يجدر بالكاتب أن يشير إلى ذلك حتى لا يخدع القارئ، ولو خفف ذلك من «نقاء» الفكرة في نظر البعض. قال صاحبي: الزمن لا يقنعهم بل يسكتهم بالاعتياد عليه.
Halemalbaarrak@








0 تعليق