نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نحو ميثاق رقمي لحماية جناب التعليم, اليوم الاثنين 8 يونيو 2026 10:57 مساءً
ومما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم لم تعد مجرد نوافذ افتراضية بل تحولت إلى امتداد لواقعنا اليومي ونمط حياتنا، برغم أن التواجد الرقمي أصبح أمرا اعتياديا للجميع، إلا أن هناك خصوصية لمنسوبي هذا القطاع، فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد تسلية أو ترف هامشي، بل تحول إلى ساحة مفتوحة تصاغ فيها قيم المجتمع، وتبنى داخلها مفاهيم الأجيال الناشئة عن (القدوة).
فإذا كانت الدولة أيدها الله قد أحاطت المؤسسة العسكرية بسياج متين من الأنظمة والضوابط العسكرية فيما يخص النشر والبث والحضور الرقمي، صونا للقطاع وحماية للأمن الوطني؛ فإن أمن القيم التي يحرسها المعلم لا تقل خطورة عن الأمن الجغرافي الذي يحرسه العسكري.
إن طبيعة المعلم ليست وظيفة ينتهي أثرها بانتهاء قرع جرس الحصة الأخيرة، بل هي رسالة تربوية ممتدة في الزمان والمكان، وصاحبها يحمل صفة القدوة في المدرسة والشارع والبيت طالما كان منتميا لهذا السلك الشريف.
إلا أن ما نشهده اليوم من انخراط بعض المنتسبين للتعليم في منصات التواصل الاجتماعي وخصوصا البث المباشر في (تيك توك، سناب وحتى مساحات إكس) وخضوعهم لمنطق العفوية وردات الفعل اللحظية التي عادة لا يقدرها (الباث) حق قدرها، وأبعادها. واللهث خلف الدعم والمكاسب المادية السريعة وحب الظهور والشهرة بات يشكل تهديدا حقيقيا للصورة الذهنية للمربي، ويهز مكانة المعلم في وجدان طلابه.
من هنا تبرز الحاجة إلى إصدار لائحة ضوابط السلوك الرقمي للمعلمين ومن في حكمهم، لتكون إطارا ملزما يحمي هيبة الرسالة من العبث والابتذال الرقمي لتحقيق أهداف سامية وتفادي آثار سلبية، منها ردم الفجوة بين شخصية المربي القدوة وعشوائية البث المباشر، فخطورة مثل هذا التواجد المباشر تكمن في طبيعة البثوث لأنها قائمة على الاستدراج اللفظي، وكثير من المنصات أنشئت على خوارزميات قائمة على الترفيه المبتذل وتفاعل جمهور مجهول الهوية. هذا السياق يتنافى كليا مع الوقار المفترض لمن يقود عقول الناشئة. وسقوط المعلم في فخ الترند واستجداء التفاعل يكسر هيبته داخل الفصل، ويجعل من توجيهاته التربوية والقيمية حبرا على ورق.
فالتعليم من أشرف المهن، وهي مهنة الأنبياء والرسل، وصون بيئة التعليم عن الاستغلال والتربح أمر في غاية الأهمية، ويجب أن تحظر اللائحة المقترحة (وحسب علمي ليس هناك تنظيمات خاصة بالمعلم إلا فيما يخص قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقيات الوظيفة العامة وبعض خصوصيات النشر في المنشآت التعليمية) حظرا قاطعا استخدام المظهر التعليمي أو الإشارة إلى الصفة الوظيفية أو تصوير البيئة المدرسية والطلاب في أي محتوى شخصي مدر للمال، أو استغلال المهنة للحصول على منافع رقمية، خاصة أن رسالة التعليم أسمى من أن تساق في سوق المزايدات الرقمية الافتراضية.
أما الاحتجاج بالحرية الشخصية في الفضاء الرقمي فلا اعتبار لها عندما تتداخل هذه الحرية مع تشويه المظهر العام لمهنة تمثل ركيزة الأمن الفكري والأخلاقي للمجتمعات، فكما أن العسكري يتنازل عن جزء من حريته الرقمية التزاما بشرف بدلته العسكرية، فإن المعلم ملتزم أدبيا ونظاميا بصون شرف أمانة التربية والتعليم
إن سن تدابير حوكمة صارمة واضحة تتدرج من الإنذار وتصل إلى الإبعاد عن الميدان التربوي، وتحويل المخالف إلى العمل الإداري في حال الإصرار على ممارسات لا تليق بوقار المهنة، وتفعيل دور الرقابة السلوكية من قبل إدارات التعليم هي الحامي بعد الله من هذا الطوفان الرقمي الذي تسلل إلى جميع مفاصل الحياة.
حبا في التعليم والمعلم وإيمانا برسالته السامية كانت هذه اللفتة، وهي ليست دعوة لعزله عن محيطه الرقمي، بل هي دعوة لوجود هو امتداد لرسالته في نشر الفضيلة وضبط هذا التواجد الرقمي، وحماية المجتمع ككل، فإذا سقطت القدوة في عين النشء سقطت معها قيم الاحترام والامتثال، وحينها لن تجدي المناهج نفعا مهما بلغت جودتها.
إنها دعوة محب للعلم والتعليم وكل من ينتمي إلى هذه المهنة السامية، وفي مقدمتهم جناب وزارة التعليم الكريمة وقادتها الكرام، لترتيب هذا الملف الحساس وإفرازات وسائل التواصل الحديثة، وترسيخ لـ(كاد المعلم أن يكون رسولا).















0 تعليق