نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل ما زالت الفصول الدراسية مكانا للتعلم فعلا؟ كيف غير جيل Z قواعد اللعبة, اليوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 12:47 صباحاً
في منتصف إحدى المحاضرات، طرحت سؤالا على أحد طلابي. بدأ يجيب، ثم توقف فجأة في منتصف الجملة. نظر إلي وقال بكل هدوء «عذرا، هل يمكنك إعادة السؤال؟ نسيته».
لم يكن السؤال طويلا. لم تمر على طرحه سوى ثوان. لكنه نسيه.
وقفت لحظة أفكر. ثم أدركت أن المشكلة ليست في هذا الطالب. المشكلة في أن الفصل الدراسي التقليدي بني لجيل مختلف تماما.
ثماني ثوان
متوسط فترة تركيز جيل Z لا يتجاوز 8 ثوان - أقل من سمكة ذهبية كما يقول الباحثون بسخرية مرة. جيل Z يملك فترة تركيز أقصر من جيل الألفية بنسبة 30%.
لكن هذه الأرقام تروي نصف القصة فقط.
الجزء الذي لا يرويه البحث هو ما تراه كل يوم أمامك في قاعة الدرس: طالب يستطيع أن يلعب لعبة الكترونية لساعات، ويحفظ كلمات أغنية سمعها مرة واحدة، ويتابع محتوى تيك توك بتركيز لا يفتر. لكنه لا يستطيع الجلوس صامتا أمام محاضرة تقليدية لعشر دقائق.
المشكلة إذن ليست في التركيز. المشكلة في الملل.
ما الذي تغير فعلا؟
أكثر من نصف مستخدمي تيك توك أقروا بأن الفيديوهات التي تتجاوز الدقيقة تسبب لهم ضغطا نفسيا. فكيف نطلب من هؤلاء أنفسهم أن يجلسوا لمحاضرة مدتها ساعتان؟
دراسة غالوب لعام 2024 أظهرت أن ما بين 25% و54% من طلاب جيل Z يرون أن تجربتهم الدراسية تفتقر إلى أي إثارة حقيقية.
أرقام صادمة. لكنها ليست مفاجئة لمن يقف أمام هذا الجيل يوميا.
جيل Z لا يرفض التعلم، يرفض الطريقة. يرفض أن يعطى سؤالا عن هوايته وهو يعيش في عالم يناقش فيه أزمات المناخ وحقوق الإنسان والذكاء الاصطناعي. يرفض الواجب التقليدي الذي يأخذ ساعات دون أن يكسب منه مهارة واحدة قابلة للاستخدام. هذا الجيل يريد تعلما ذا معنى وصلة بحياته الفعلية.
حين تغيرت قواعد اللعبة في فصلي
اضطررت أن أتغير، لم يكن ذلك خيارا، كان ضرورة.
بدأت بتقطيع الدروس إلى وحدات صغيرة لا تتجاوز عشر دقائق. أنشطة متنوعة تتتالى بلا توقف: استماع، ثم محادثة، ثم لعبة، ثم نقاش. القواعد النحوية التي كانت تحفظ من الكتاب أصبحت تدرس عبر تمثيل الأدوار، لأن الطلاب حين يمثلون يتذكرون أكثر مما يقرؤون.
Kahoot و Quizlet و Blooket لم تعد ترفا، صارت أدوات تدريس أساسية. لأن هذا الجيل لا ينسى ما تعلمه وهو يفوز على زملائه.
لتعليم صيغة الأمر في العربية، كنت أشاهد معهم وصفات طعام من يوتيوب، ثم أطلب منهم الواجب: يطبخون ويصورون أنفسهم فيديو ويرسلونه. كانت النتائج مذهلة. ليس فقط في اللغة، بل في الحماس.
الموضوعات تغيرت هي الأخرى. لم يعد «ما هي هوايتك؟» سؤالا مقبولا. كثيرون منهم يرون في الأسئلة العائلية تدخلا في خصوصيتهم. لكن حين طرحت موضوع البيئة أو التكنولوجيا أو التنوع الثقافي، انقلب الفصل من صمت إلى نقاش لا ينتهي.
حتى الإعلانات القطرية على إنستغرام، مع مزيجها من الفصحى والعامية، صارت مادة تعليمية. وبدأ الطلاب يحضرون بانتظام. لأنهم لا يعرفون ما الذي سيجدونه اليوم.
ما يخطئ فيه كثير من المعلمين
المشكلة ليست في جيل Z، المشكلة في أننا نقيسه بمعايير جيل مختلف. حين نقول إن الطالب كسول لأنه لم يكمل ورقة عمل تقليدية، ربما الحقيقة أن الورقة لا تتحدث إليه بلغته. حين نقول إنه غير منتبه، ربما نحن من نقدم محتوى لا يستحق الانتباه.
دراسة نشرت عام 2025 رصدت ارتباطا سلبيا بين التعرض المكثف لمقاطع الفيديو القصيرة وقدرة الشباب على التركيز المستدام. لكن هذا لا يعني أن المشكلة في الطالب وحده. يعني أن البيئة التعليمية يجب أن تتكيف مع دماغ يعمل بطريقة مختلفة.
الطلاب في المدارس التي طبقت بيئات خالية من الهواتف حافظوا على تركيز أطول بنسبة 23%، وهذا مؤشر مهم. لكن الحل ليس في المنع فقط. الحل في بناء تجربة تعليمية تجعل الطالب ينسى هاتفه من تلقاء نفسه.
ما نحتاجه فعلا
المناهج التقليدية بنيت لجيل كان يحفظ ويسترجع. جيل Z يريد أن ينتج ويجرب ويؤثر.
هذا لا يعني أن نتخلى عن العمق الأكاديمي. يعني أن نعيد تغليفه بطريقة تجعله وصلا حقيقيا بحياة الطالب. اللغة العربية ليست مجرد قواعد وضمائر، هي أداة يمكن أن تفتح له سوق العمل وتوصله بحضارة وتاريخ لا نظير لهما.
حين يفهم الطالب أن اللغة التي يتعلمها ستحدث فرقا حقيقيا في مستقبله، يتغير كل شيء.
أحب هذا الجيل. ليس رغم صعوبته، بل ربما بسببها.
يجبرني أن أكون معلمة أفضل كل يوم.

















0 تعليق