نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أثّث وحدتك!, اليوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 12:47 صباحاً
لا تقل لي إنه لم يخذلك أحد طوال حياتك، ولا تقل لأحد - حتى لا يضحك عليك - أنك لم تشعر بالوحدة قط، ولا تخبر أحدا أيضا أن كل من حولك قد منحوك السعادة وحرموك من الحزن، مغامرة أن تقول هذه الجمل لأحد ثم يصدقك.
ما من أحد إلا وخذله قريب أو بعيد، وما من شخص منا إلا وشعر بالوحدة يوما ما، ولا بد أن من حولنا قد عكروا مزاجنا قليلا أو كثيرا، ولذلك جاءت فكرة بأن يؤثث الإنسان وحدته، أن يملأها بما تمنحه تغيير مزاجه تارة، وانشغاله عن الناس تارة أخرى، وفي لحظات معينة قد يرحل الجميع فيجد في وحدته المؤثثة عزاءات له فلا يشعر بألم رحيلهم.
الوحدة ليست وصمة عار، وعبارة «دعني وحدي» هي عبارة أصيلة في بعض الثقافات؛ إذ اعتادوا أن يجلسوا مع أنفسهم ساعات، بهدف الحصول على الصفاء النفسي الذي يريدونه، وخلال هذه الوحدة يقومون بعمل تلك الأشياء التي لا يودون أن يشاركهم فيها أحد، فالواحد منهم يفكر بصوت مسموع في مستقبله وحياته، وللتفكير في ذلك يحتاج إلى مساحة خاصة لا تطلب ازدحاما من البشر. وفي تلك المساحة يملك المرء ترف التفكير بصوت مسموع، وجَلَد مجالسة كبار الشخصيات بين دفتي كتاب، وحتى متعة صناعة وجبته بتفاصيل يختارها هو لنفسه، بل ويعد قهوته بنفسه حتى لا يتحكم بمزاجه أحد.
كلنا نضع ستائر عازلة في بيوتنا من أجل أن نحظى بلحظات خاصة، ولا يفكر الإنسان أن يضع ستائر خاصة على روحه المنهكة لأنها باتت مكشوفة، هذه الستائر ليست عزلة تامة بل هي تحكم في عبور الأشخاص في مساحتك الخاصة، وهي ضرورية في لحظات من اليوم أن تكون مغلقة، ولحظات أخرى لا بد للهواء والشمس أن يدخلا لمنزلك وكذلك روحك.
ولعل السؤال التقليدي: ماذا أؤثث لهذه الروح المرهقة؟ وهل سيجيب أحد عنك فيما تحب وتهوى؟ هل غيرك يمكن أن يفعل ذلك؟ هل تورطنا تماما في الجلوس مع الناس لدرجة الإدمان؟!
للكتاب الصغير مفعول السحر، فثلاث صفحات يوميا من كتاب تختاره سوف تكون أحد أركان هذا الأثاث، رياضة يومية من ثلاثين دقيقة هي رحلة مع الذات لا تشاركها غيرك، قائمة أفلام ومسلسلات، أو حتى بودكاستات كنت تود وقتا لها، حانت الفرصة الآن!
معظم من يفشلون في استثمار الوحدة، وتأثيث أوقاتهم الخاصة، مرعوبون من انزلاقهم نحو الاكتئاب، وهوس كبير من وصمة عار الجلوس وحيدا، ولكنهم في لحظة ما، لسبب ما، سيضطرون للوحدة (سفر ضروري مفاجئ، مرافقة مريض في مستشفى، كبر في السن ورحيل الأصدقاء، انشغالات في طلب الرزق حتى لم يتبق لك من تتحدث معه)، وهؤلاء المضطرون للوحدة؛ سيجدون وحدتهم فارغة بلا أثاث، بلا هوايات، مجرد جدران صلدة لا ذكريات فيها، وصناعة عادات جديدة في مراحل سنية معينة أو ظروف طارئة، أصعب مما تتخيل، نعم عزيزي القارئ: الوحدة ستزور كل إنسان يوما ما، والسؤال ليس هل ستأتي، بل: هل أعددت لها بيتا مؤثثا صالحا للسكن؟
Halemalbaarrak@


















0 تعليق