الاعتماد الأكاديمي في المؤسسات الأكاديمية: ضمان للجودة أم روتين بيروقراطي مكلف؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الاعتماد الأكاديمي في المؤسسات الأكاديمية: ضمان للجودة أم روتين بيروقراطي مكلف؟, اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 09:39 مساءً

نشأت فكرة الاعتماد الأكاديمي في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، في وقت كان فيه التعليم العالي يتوسع بسرعة دون وجود ضوابط. بدأ النظام حينها على شكل مراجعات يقوم بها نظراء أكاديميون بشكل غير رسمي، ثم تطور لاحقا مع قانون التعليم العالي عام 1965 ليصبح أكثر تنظيما وانتشارا عالميا. ومع مرور الوقت، تحول الاعتماد إلى جزء أساسي من منظومة التعليم العالي، لكنه اليوم يواجه تساؤلات حول جدواه الفعلية: هل ما زال يحقق هدفه في تحسين الجودة، أم مجرد روتين يستهلك وقت الجامعات وطاقاتها؟

تختلف أنظمة ضمان الجودة بين الدول. ففي الولايات المتحدة تعتمد الهيئات على مراجعات الأقران والزيارات الميدانية مقابل رسوم وإجراءات متعددة، بينما تركز هيئة ضمان الجودة في التعليم العالي (QAA) في المملكة المتحدة على التحسين المستمر أكثر من الرقابة الشكلية. وفي الصين يستخدم النموذج المركزي المباشر. وفي المملكة العربية السعودية، استحدث هيئة تقويم التعليم والتدريب المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي (NCAAA) كجهة مشرفة على إجراءات الاعتماد الأكاديمي.

ومن المفارقات أن نتائج الدراسات العلمية حول جدوى الاعتماد غير حاسمة في كثير من البلدان. فقد أشارت دراسة محلية (Sustainability: 2022:14(24):16968) إلى أن الاعتماد لا يرتبط بشكل مباشر بتحسن أداء الطلاب، لكنه قد ينعكس إيجابا على بعض جوانب التعلم، مع ملاحظة ظاهرة «تراجع النشاط بعد التقييم» حيث تنخفض جهود الجودة بعد انتهاء الزيارات الرسمية. وفي المقابل، تشير دراسة مشابهة إلى أن الاعتماد قد يحد من الابتكار داخل المؤسسات الأكاديمية (Quality in Higher Education: 2022:28(1):50–64)، كما ينظر إليه في أدبيات أخرى كعبء بيروقراطي ثقيل يستهلك الموارد (International Journal of Educational Management: 2025:39(4):973–988. ) ويرى بعض الأكاديميين أن إجراءات الاعتماد توثر سلبا على الحرية الأكاديمية وجودة التعلم (Quality Assurance in Education: 2025:33(1):93–108).

وتتكرر الانتقادات على المستوى الدولي باختلاف النماذج. ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع أن 73% من أعضاء هيئة التدريس يرون أن الاعتماد يستهلك وقتهم بشكل كبير، وأن 70% من الآراء تشير إلى ارتفاع مستويات التوتر المرتبطة به، مع إشارات إلى تأثيره على استقرار الكفاءات الأكاديمية (Critical Questions in Education: 2019:10(1):17–28). كما تكشف المقارنة بين النماذج الإلزامية والاختيارية أن الجدل حول فاعلية التقييمات مستمر، فبينما يعتمد النظام الفرنسي نهجا إلزاميا، يختار النموذج الكندي مسارا تطوعيا، ويظل التساؤل قائما حول أي النموذجين أكثر فاعلية في تحسين الجودة Health Policy: 2009:90 2-3 :156–165.

وتمتد الانتقادات العالمية لأنظمة الاعتماد إلى الأعباء الإدارية والتكاليف الباهظة. ومن ذلك وصف تقرير للجنة البرلمانية الدائمة للتعليم في الهند (Report India: 2025:371:1–44) إجراءات هيئة NAAC بأنها بيروقراطية ومعقدة، ودعا إلى تبسيطها والتركيز على المخرجات الفعلية. وفي ألمانيا، أظهرت دراسة لاتحاد الجامعات الخاصة (VPH Germany: 2025) أن 71% من المؤسسات تصنف الأعباء البيروقراطية بالمرتفعة جدا، وتأتي إجراءات الاعتماد في مقدمة هذه الأعباء. وقد فوصف وزير التعليم النيجيري تونجي ألاوسا في تصريح لصحيفة (Vanguard Nigeria: July 2025) نظام الاعتماد بأنه «فوضوي ومكلف وغير مجد»، مشيرا إلى إنفاق الجامعات الفيدرالية مبالغ طائلة على زيارات فرق التقييم. وفي هولندا، تناولت تقارير إعلامية جامعية (DUB & UKrant: April 2026) نقاشا برلمانيا يدعو إلى تبسيط نظام الاعتماد وتمديد دورات التقييم التي تستمر ست سنوات لتخفيف الأعباء الإدارية. وفي المملكة طالب مجلس الشورى بمراجعة الرسوم المرتبطة بالاعتماد (عكاظ: 2022: يوليو21)

وتكمن مفارقة ملفتة تتمثل في أن الجامعات التي يديرها خبراء وتخضع برامجها لمراجعات داخلية متعددة المراحل، يعاد تقييمها خارجيا، مما يثير التساؤل حول جدوى هذه الرقابة الإضافية. ويتحول دور الأكاديمي من باحث ومعلم إلى منفذ لإجراءات روتينية مستنزفة للوقت، حيث تصبح التقارير غاية في حد ذاتها. وتعرف هذه الظاهرة بـ(الإفراط في الامتثال)، حيث تطغى الإجراءات الشكلية على هدف تحسين التعليم وجودة البرامج. فبدلا من أن تعزز الاعتمادات الخارجية الجودة العلمية، تؤدي إلى إرهاق أكاديمي واضح وتشتيت للجهد في تفاصيل إجرائية لا تضيف جديدا، بل قد تخلق ازدواجية في التقييم.

إن تقييم الجودة ممكن باستخدام مؤشرات أكثر مباشرة وموضوعية، مثل نسب توظيف الخريجين، نتائج الاختبارات المعيارية، جودة البحث العلمي، ومستوى البنية التحتية التعليمية والبحثية. كما يمكن تعزيز دور وحدات الجودة الداخلية داخل الجامعات، بحيث تتولى جمع المؤشرات وإعداد التقارير والتقويم المستمر، وعدم تحميل أعضاء هيئة التدريس أعباء روتينية إضافية تنعكس سلبا على جودة التدريس والبحث.

وخلاصة القول، يبقى الهدف من الاعتماد الأكاديمي مشروعا ومهما، لكنه يحتاج إلى إعادة توازن بين ضمان الجودة وتقليل العبء الإداري. فالجودة لا تتحقق بكثرة النماذج والتقارير، بل من خلال بيئة تعليمية فعالة تنتج معرفة وخريجين قادرين على المنافسة. وعندما يخفف العبء الإداري عن الأكاديميين، يمكن للجامعة أن تعود إلى دورها الأساسي كمؤسسة للتعليم المبدع والبحث والابتكار.

أخبار ذات صلة

0 تعليق