نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الناتو وأزمة المعنى: حين يبقى الحلف وتغيب الفكرة, اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 06:15 صباحاً
ليست أزمة حلف شمال الأطلسي اليوم أزمة تسليح أو إنفاق دفاعي فقط، ولا هي مجرد خلاف عابر بين الولايات المتحدة وأوروبا حول تقاسم الأعباء. الأزمة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة معنى، وأزمة تعريف، وأزمة وظيفة تاريخية فقدت وضوحها منذ نهاية الحرب الباردة، ثم عادت التناقضات الكامنة فيها إلى السطح مع الحرب في أوكرانيا، قبل أن يكشف التوتر حول إيران حجم التباعد الحقيقي داخل الحلف.
الناتو لم يبن كإطار فضفاض للتنسيق السياسي، بل كتحالف صلب نشأ في لحظة دولية حاسمة لمواجهة تهديد واضح ومحدد. كان الاتحاد السوفيتي هو الخصم، وكانت أوروبا الغربية هي الجبهة، وكانت المظلة الأمريكية هي الضامن النهائي لبقاء التوازن. لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تنته فقط مرحلة تاريخية كاملة، بل بدأ الحلف يفقد تدريجيا الوضوح الذي تأسس عليه. بقيت المؤسسة، لكن السؤال الأصعب ظل قائما: ما الذي يوحد الحلف حين يتراجع التهديد الذي ولد لمواجهته؟
هذا السؤال ظل مؤجلا لسنوات، لأن المؤسسات الكبرى لا تسقط بمجرد تراجع أسباب نشأتها. فهي تستمر بفعل البيروقراطية والمصلحة والرمزية السياسية. لكن استمرار البنية لا يعني بقاء الفكرة بالحيوية نفسها. وهذا ما يواجهه الناتو الآن. فالحلف لا يعاني من نقص في الهياكل، بل من تآكل في المنطق الاستراتيجي الذي يمنح تلك الهياكل معناها.
الحرب الروسية على أوكرانيا أعادت للناتو شيئا من وظيفته التقليدية، لكنها لم تنه أزمته. فقد أعادت تنشيط الخوف الأوروبي من روسيا، ورفعت منسوب القلق الأمني داخل القارة، لكنها لم تعد إنتاج الإجماع الأطلسي القديم. أوروبا تنظر إلى روسيا من زاوية الجغرافيا والذاكرة والتهديد المباشر، فيما تنظر الولايات المتحدة إليها من زاوية مختلفة، أكثر براغماتية وأقل وجودية. بالنسبة لواشنطن، لم تعد موسكو تمثل الخطر الذي مثله الاتحاد السوفيتي، ولم تعد الحرب في أوكرانيا تقرأ باعتبارها المعركة التي تحدد مصير النظام الدولي كما كان الأمر في مراحل سابقة من التاريخ الغربي.
ومن هنا بدأ التباعد يتخذ طابعا أعمق. الولايات المتحدة قدمت الدعم لأوكرانيا، لكنها تجنبت الانخراط المباشر. وهذا لم يكن قرارا ميدانيا فقط، بل تعبيرا عن تحول في المزاج الاستراتيجي الأمريكي. لم تعد واشنطن ترى مصلحتها في إدارة كل صراع في النصف الشرقي من العالم بالمنطق نفسه الذي حكم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذا التحول أصبح أكثر وضوحا مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ عاد معه خطاب أكثر صراحة في التشكيك بجدوى الالتزامات التقليدية، وأكثر وضوحا في مطالبة الأوروبيين بتحمل كلفة أمنهم بعيدا عن الاعتماد المزمن على القوة الأمريكية.
لكن المعضلة الحقيقية لم تظهر فقط في أوكرانيا، بل ظهرت بصورة أكثر حساسية في الشرق الأوسط. فحين انتقلت الولايات المتحدة إلى مواجهة أكثر حدة مع إيران، لم تتحرك أوروبا بالاندفاع نفسه، ولم تتعامل مع التصعيد الأمريكي باعتباره اختبارا تلقائيا للتضامن الأطلسي. هنا برزت أزمة الناتو في أوضح صورها: الحلف الذي يفترض أنه يقوم على وحدة التهديد ووحدة الرد، بات يواجه واقعا مختلفا، حيث لا يرى جميع أعضائه التهديدات بالمنظار نفسه، ولا يتفقون على أن كل خطوة أمريكية يجب أن تتحول فورا إلى التزام جماعي.
الخلاف بين ترامب وبعض دول الناتو في التعاطي مع الحرب مع إيران ليس تفصيلا جانبيا، بل مؤشر على أزمة أعمق في بنية الحلف. فترامب ينظر إلى التحالف بمنطق سياسي حاد: إذا كانت الولايات المتحدة مطالبة بحماية أوروبا، فلماذا لا تقف أوروبا معها حين يتعلق الأمر بأمن استراتيجي تراه واشنطن أساسيا؟ وفي المقابل، ترى عواصم أوروبية أن من حقها عدم الانجرار خلف خيار عسكري لا تعتبره جزءا من تعريفها المباشر للأمن الجماعي. بين الموقفين، يتضح أن الخلاف لم يعد على الوسائل فقط، بل على جوهر التضامن نفسه.
وهنا تصبح النظرة الشرق أوسطية ضرورية، لا هامشية. لأن الشرق الأوسط لم يعد مجرد مسرح ثانوي للخلافات الغربية، بل أصبح أحد ميادين اختبارها الفعلية. فعندما يختلف الأمريكيون والأوروبيون على كيفية التعامل مع إيران، أو على حدود الانخراط العسكري في الإقليم، فإن ذلك لا ينعكس فقط على الحلف، بل على مجمل توازنات المنطقة. من أمن الملاحة إلى استقرار الطاقة، ومن الردع الإقليمي إلى مستقبل الانتشار العسكري الغربي، بات واضحا أن أي تصدع داخل الناتو يترك أثره المباشر على الشرق الأوسط.
من هذه الزاوية، لا يمكن لدول المنطقة أن تقرأ ما يجري داخل الحلف بوصفه خلافا غربيا داخليا منفصلا عن مصالحها. ما يحدث يمس صميم البيئة الأمنية المحيطة بها. فإذا كانت أوروبا ترى إيران بمنظار مختلف عن واشنطن، وإذا كانت الولايات المتحدة نفسها تعيد النظر في طبيعة التزاماتها الدولية، فإن المنطقة أمام واقع جديد يتطلب قراءة أكثر هدوءا وأكثر استقلالا. لم يعد ممكنا الركون إلى الافتراض القديم القائل إن الغرب يتحرك دائما ككتلة واحدة، أو أن الأزمات الكبرى ستنتج تلقائيا موقفا أطلسيا موحدا.
وفي السياق الخليجي تحديدا، فإن هذا التحول يفرض قدرا أعلى من الواقعية الاستراتيجية. فالدول التي تبني قراءتها للأمن الإقليمي على تصور ثابت لمستوى الانسجام الأمريكي الأوروبي قد تجد نفسها أمام معادلات مختلفة تماما في لحظات التصعيد. وحين يتراجع التوافق داخل التحالفات الكبرى، تصبح الحاجة أكبر إلى سياسات وطنية أكثر مرونة، وتنويعا للشراكات، وبناء لأدوات ردع واستقرار لا تتوقف بالكامل على مزاج التحالفات الدولية المتغيرة.
المفارقة أن الناتو قد يستمر مؤسسيا لسنوات، وربما لعقود، من دون أن يعني ذلك أنه ما زال يحتفظ بالروح التي صنعت وزنه في النظام الدولي. فالتحالفات لا تقوم فقط على النصوص والقيادات العسكرية، بل على وجود تعريف مشترك للخطر، واستعداد سياسي مشترك لتحمل تبعات المواجهة. وإذا تآكل هذا الأساس، فإن بقاء الاسم لا يكفي لإخفاء تراجع المعنى.
الخلاصة أن أزمة الناتو اليوم ليست أزمة وجود شكلي، بل أزمة وظيفة حقيقية. أوكرانيا كشفت الفارق بين الإدراك الأمريكي والأوروبي لطبيعة التهديد الروسي. وإيران كشفت الفارق بين الطرفين في تعريف أولويات الأمن خارج القارة الأوروبية. وبين الملفين، يبدو أن الحلف دخل فعلا مرحلة جديدة: مرحلة بقاء المؤسسة في مقابل انحسار الفكرة، واستمرار الهيكل في مقابل تصدع الروح السياسية التي منحت هذا الهيكل وزنه التاريخي.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل يسقط الناتو؟ بل: هل يبقى الحلف حلفا بالمعنى الكامل، أم يتحول تدريجيا إلى مؤسسة تحمل اسم الماضي أكثر مما تعبر عن توازنات الحاضر؟
mr_alshammeri@







0 تعليق