نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مكة.. وابن إدريس.. والميدان يسع الجميع, اليوم السبت 25 أبريل 2026 05:32 مساءً
في مكة المكرمة، لا تتجاور الأجساد فقط، بل تتجاور المذاهب، وتتلاقى الثقافات، ويذوب الاختلاف في مشهد واحد عنوانه العريض، القصد إلى الله.. هناك عند سفح «جبل حراء» الذي شهد نزول وتنزلات أول ألفاظ الهداية، على سيد خلق الله، صلى الله عليه وسلم، يتدرب الإنسان، من حيث يشعر أو لا يشعر، على أن يكون أوسع من تصنيفاته، وأهدأ من اختلافاته، وأقرب إلى جوهره؛ وهناك حضرت مساء الثلاثاء 19 / 10 / 1447هـ، ندوة «القيم المكية» بدعوة كريمة من مركز عبد الله بن إدريس الثقافي وحي حراء الثقافي، والتي أشرت إليها في منشور الكتروني ليلتها، غير أن مثل هذه المجالس لا تستوفى على عجل، بل تكتب حين تهدأ في النفس، ويستقر معناها.
لعل من أعمق ما تعلمه «العاصمة المقدسة» للبشر، قيمة التعايش وقبول الآخر؛ لا بوصفها شعارا يرفع، بل واقعا يعاش؛ ترى في مكان واحد من يختلف معك في المذهب أو اللغة أو الهيئة، لكنه لا يختلف معك في القبلة، وهناك تسقط كثير من الحواجز التي يعتادها الناس خارجها، ويخفت صوت الإقصاء، لأن المكان نفسه يربيك على أن تكون أوسع من ضيق الانتماءات؛ والتعايش الذي أعنيه ليس ترفا أخلاقيا، ولا خطابا مثاليا يقال في المناسبات، بل هو ضرورة تحفظ بها وحدة الناس، ويصان بها مقصد الاجتماع؛ ففي مكة من لم يتعلم كيف يدير الاختلاف، فاته من معناها شيء كثير.
في المعاني المتقدمة، بدت ندوة «القيم المكية» أقرب إلى أن تكون منهج حياة، لا مفردات تتلى؛ سمعنا عن الكرم، والرفادة، وحسن الجوار، والأمانة، وغير ذلك مما لم يكن إرثا من أجل استدعاء الحنين، بل سيرة لمدينة ظلت عبر العصور تدرب الإنسان على أن يكون أرقى من نزواته، وأوسع من مصالحه الضيقة، كما تحدث بذلك الكوكبة المباركة من أصحاب العلم والرأي والقلم والفضل، ممن حضروا وشاركوا، فأحسنوا التأصيل، وربطوا بين الجذور الممتدة لمكة المكرمة وأفقها المعاصر، فكان حديثهم امتدادا لرسالة المكان، وتذكيرا بأن هذه القيم ليست ماضيا يروى، بل حاضر يبنى، ومسؤولية تحمل.
من أجمل ما في الندوة، تذكير الحضور باسم الأديب الكبير عبدالله بن إدريس، رحمه الله؛ ذلك الاسم الذي لا يستدعى على سبيل المجاملة، بل يستحضر بوصفه أحد أعمدة الثقافة في بلادنا، وأحد الرموز التي تركت أثرا لا يختصر في سيرة، ولا يحاط في عنوان، ولعل الأجمل من الذكر، البر الحي لأبنائه؛ والذي لم يتوقف عند حدود العاطفة، بل تجاوزها إلى الفعل، وتحويل اسم والدهم إلى مشروع، والذكرى إلى مبادرة، والإرث إلى عمل متجدد، وهو وفاء يجعل الماضي حيا، ويعيد تقديمه بوصفه طاقة تحرك الحاضر والمستقبل، وهنا يتجلى الفرق بين من يذكر الأسماء، ومن يمد لها أسباب البقاء؛ فالأول وفاء، والثاني وعي، وما أحوجنا إلى الوعي الذي يدرك أن المشاريع إذا بقيت في الوعظ خفت أثرها، وإذا دخلت في المؤسسة طال عمرها، واستغنت عن كثير من القول.
أختم بالتذكير والتأكيد على أن مكة، في جوهرها، لا تلغي الاختلاف، لكنها تحسن إدارته؛ تعلمك أن تكون وفيا لقيمك، دون أن تضيق بغيرك، وأن تدرك أن الاتساع ليس ضعفا، بل كمال، ولا شك أن هذه القيم إذا حملت بعقل مؤسسي، وروح صادقة، فإنها لا تبقى حبيسة المكان، بل تمتد أثرا في المجتمع؛ وهكذا تفهم القيم حين تعاش، وهكذا تبقى حين تدار، وهكذا يجب أن تتسع الأفهام.


















0 تعليق