حين يطالب نواب برحيل الحكومة.. من يجيب عن الأسئلة المؤجلة؟

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين يطالب نواب برحيل الحكومة.. من يجيب عن الأسئلة المؤجلة؟, اليوم الخميس 25 يونيو 2026 01:31 مساءً

ليست المشكلة أن مواطنًا غاضبًا انتقد الحكومة، ولا أن كاتبًا أو إعلاميًا هاجم أداءها، فذلك يحدث في كل مكان. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول مجلس النواب نفسه إلى منصة اتهام سياسي واقتصادي للحكومة، وعندما تصدر دعوات الرحيل من تحت القبة التي يُفترض أنها الساحة الدستورية لمحاسبة السلطة التنفيذية.

 

خلال مناقشات الموازنة العامة وخطط الحكومة الاقتصادية، لم تكن كلمات عدد من النواب مجرد اعتراضات عابرة، بل بدت أقرب إلى شهادة سياسية قاسية على حصيلة سنوات طويلة من الإدارة الاقتصادية، شهادة تستمد خطورتها من أنها صدرت ممن اطلعوا على الأرقام والبيانات الرسمية ذاتها التي تستند إليها الحكومة في الدفاع عن سياساتها.

 

النائب عبد المنعم إمام طرح السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا جنى المواطن من سنوات الإصلاح الاقتصادي؟ فالحكومة طلبت من المصريين الصبر، وتحملوا بالفعل موجات متتالية من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وخفض الدعم وزيادة الأعباء المعيشية، على وعد بأن تؤدي هذه التضحيات إلى تحسن الأحوال لاحقًا. 

 

لكن النائب يرى أن النتيجة جاءت معاكسة لما وُعد به الناس، وأن الطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي أصبحت تعاني من ضغوط غير مسبوقة. وإذا كانت الحكومات تُقاس بنتائج سياساتها لا بحسن نواياها، فإن منطق النائب يقود إلى نتيجة واضحة: حكومة وعدت بالرخاء وانتهت إلى مزيد من المعاناة فقدت أحد أهم مبررات بقائها.

 

وجاءت النائبة أميرة أبو شقة لتلفت الانتباه إلى أزمة أخرى لا تقل خطورة، وهي أزمة إدراك الواقع. فالحكومة تتحدث أحيانًا بلغة المؤشرات المجردة، بينما يتحدث المواطن بلغة الأسعار والفواتير والاحتياجات اليومية. 

وحين يصبح المسؤول مقتنعًا بأن مشاهد الازدحام في الأسواق والمراكز التجارية دليل على تحسن الأحوال، بينما يشعر ملايين المواطنين بأنهم يكافحون لتدبير أساسيات المعيشة، فإن المشكلة لا تعود اقتصادية فقط، بل تتحول إلى فجوة بين السلطة والواقع. 

ومن هنا جاء موقفها الحاد؛ فالحكومة التي لا ترى ما يراه الناس، أو لا تسمع ما يسمعونه، تصبح عاجزة عن علاج أزماتهم مهما امتلكت من تقارير وأرقام.

 

أما النائب أحمد علاء فايد فاختار لغة الأرقام نفسها التي تتحدث بها الحكومة. تحدث عن تضخم أعباء الدين العام، وعن الارتفاع الكبير في الحصيلة الضريبية مقارنة بمعدلات الاستثمار الحكومي، وعن مواطن يدفع أكثر عامًا بعد عام بينما لا يشعر بأن الخدمات أو الفرص أو مستويات المعيشة تتحسن بالقدر نفسه. 

 

وحين تصل الموازنة العامة إلى مرحلة يراها نائب برلماني وكأنها منفصلة عن الواقع الذي يعيشه الناس، فإن الأمر لا يصبح خلافًا حول أرقام، بل خلافًا حول فلسفة الإدارة الاقتصادية بأكملها. لذلك انتهى موقفه إلى رفض الموازنة ورفض المسار الذي أنتجها.

 

واللافت أن هذه الانتقادات، على شدتها، لم تجد ردًا سياسيًا أو اقتصاديًا مقنعًا بحجمها. فالحكومة تملك الوزارات والخبراء والأجهزة الفنية والبيانات، وكان بوسعها أن تفند ما تراه مغالطات أو تبالغات أو استنتاجات غير دقيقة. لكنها تركت كثيرًا من هذه الأسئلة معلقة، وكأنها تراهن على مرور الوقت أكثر مما تراهن على قوة الحجة.

 

هنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت الحكومة مقتنعة بنجاح سياساتها، فلماذا لا تواجه النقد بالنقد، والأرقام بالأرقام، والحجج بالحجج؟ ولماذا يشعر المواطن بأن المسافة تتسع بين ما يسمعه من تصريحات رسمية وما يراه في حياته اليومية؟

 

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس المعارضة، بل فقدان الثقة. فالمواطن قد يتحمل الصعوبات إذا رأى أفقًا واضحًا ونتائج ملموسة وعدالة في توزيع الأعباء. أما حين يطلب منه الصبر عامًا بعد عام بينما تتآكل قدرته على العيش الكريم، فإن السؤال عن جدوى السياسات يصبح حقًا مشروعًا لا يمكن مصادرته.

 

لا أحد ينكر أن العالم مر بأزمات اقتصادية كبرى، ولا أن مصر واجهت تحديات إقليمية ودولية ضاغطة. لكن الحكومات لا تُحاسب على الظروف وحدها، بل على كيفية إدارتها لهذه الظروف. فالأزمات قد تكون قدرًا، أما إدارة الأزمات فهي مسؤولية.

 

ومن هنا فإن الدعوات البرلمانية المطالبة باستقالة الحكومة لا يمكن اختزالها في خلاف سياسي أو مزايدة إعلامية. إنها تعبير عن قناعة متزايدة بأن الكلفة التي يدفعها المواطن أصبحت أكبر من النتائج التي يحصل عليها، وأن استمرار النهج نفسه قد يعني استمرار النتائج نفسها.

 

والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم ليس: هل تستطيع الحكومة البقاء؟ بل: ما الثمن الذي تدفعه مصر مقابل هذا البقاء؟ وما الثمن الذي سيدفعه المواطن إذا استمرت السياسات ذاتها دون مراجعة حقيقية؟

 

إن الدول لا تنهض بالشعارات، ولا بالأرقام المعزولة عن الواقع، ولا بطلب الصبر إلى ما لا نهاية. الدول تنهض حين تشعر الأغلبية بأن ثمار التنمية تصل إليها، وحين تكون الحكومة قادرة على إقناع الناس بما تفعل لا أن تطلب منهم التصديق فقط.

أما إذا أصبح البرلمان يسأل، والمواطن يسأل، والخبراء يسألون، بينما تغيب الإجابات المقنعة، فإن المشكلة لا تكون في كثرة الأسئلة، بل في ندرة الإجابات وربما تهرب الحكومة أو عجزها عن تقديم إجابات مقنعة تبث الأمل والطمأنينة في أوصال الشارع وفي ربوع الوطن.. فإلى متى هذا الصمت والطناش يا حكومة؟؟!
كفى.. كفى.. كفى.. رحيلك يا حكومة تأخر كثيرا كثيرا!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق