وزير البترول الأسبق أسامة كمال لـ"فيتو": ما استكشفناه من ثروات مصر لا يتجاوز 15%.. نمتلك فرصًا واعدة لاكتشافات جديدة.. والشركاء الأجانب يخططون لضخ استثمارات تتراوح بين 18 و20 مليار دولار

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وزير البترول الأسبق أسامة كمال لـ"فيتو": ما استكشفناه من ثروات مصر لا يتجاوز 15%.. نمتلك فرصًا واعدة لاكتشافات جديدة.. والشركاء الأجانب يخططون لضخ استثمارات تتراوح بين 18 و20 مليار دولار, اليوم الخميس 23 يوليو 2026 12:00 مساءً

في ظل التحديات الإقليمية والدولية التي تشهدها أسواق الطاقة، وما تفرضه من ضغوط على اقتصادات الدول، تواصل مصر تنفيذ خططها لتعزيز أمن الطاقة، وزيادة الاستثمارات في قطاعي البترول والكهرباء، والتوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، بما يدعم مكانتها كمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة.

وفي حوار خاص لـ فيتو، كشف  المهندس  أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، رؤيته لمستقبل قطاع الطاقة في مصر، مؤكدًا أن القطاع أثبت قدرته على تجاوز أصعب الأزمات، وأن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من تطوير للبنية التحتية، وسداد مستحقات الشركاء الأجانب، والتوسع في محطات استقبال الغاز والطاقة المتجددة، يمثل أساسًا قويًا لتحقيق أمن الطاقة وتعزيز جذب الاستثمارات.. تفاصيل أكثر حول واقع ومستقبل الطاقة في مصر بعين الخبير الوطني وضمير المسؤول الوطني في نص هذا الحوار الشامل والوافي.

-  بداية.. كيف تقيّم أداء قطاع البترول والطاقة في مصر خلال المرحلة الحالية؟

أرى أن قطاع البترول والطاقة في مصر يظل أحد أكثر القطاعات الإنتاجية قدرة على مواجهة الأزمات، فحتى في الفترات التي تعرض فيها لظروف استثنائية أثرت على الإيرادات أو معدلات الإنتاج، ظل قطاعًا قادرًا على القيام بدوره في حماية الدولة والحفاظ على استقرار منظومة الطاقة.

فالقطاع لا يعتمد فقط على إنتاج البترول والغاز، وإنما يمتلك بنية تحتية ضخمة تضم تسعة معامل تكرير، وأكثر من 20 ألف كيلومتر من خطوط النقل الرئيسية، إلى جانب ملايين الكيلومترات من خطوط نقل الخام والغاز والمنتجات البترولية، فضلًا عن صهاريج التخزين، وموانئ التداول، ومحطات الكهرباء، وشبكات النقل والتوزيع، وهي منظومة متكاملة يديرها كوادر بشرية تمتلك خبرات كبيرة، وهو ما ساعد الدولة على تجاوز أزمات عديدة.

ولو نظرنا إلى بعض الدول المجاورة، سنجد أنها تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط، لكنها تعرضت لظروف سياسية وأمنية أدت إلى تدمير معامل التكرير أو تعطيل البنية التحتية، فأصبحت تصدر الخام وتستورد المنتجات البترولية، كما تعتمد في كثير من الأحيان على مولدات كهرباء منخفضة الكفاءة تستهلك كميات ضخمة من الوقود، بينما استطاعت مصر الحفاظ على منظومتها واستمرار تشغيلها.

- ما أبرز التحديات التي واجهت قطاع البترول خلال السنوات الماضية؟ وكيف تعامل معها؟

قطاع البترول بطبيعته يتأثر سريعًا بالأزمات الاقتصادية والسياسية، خاصة عندما تؤثر على قدرة الدولة في سداد مستحقات الشركاء الأجانب، لأن ذلك ينعكس مباشرة على عمليات البحث والاستكشاف. ويجب أن ندرك أن أي توقف في الاستثمار لا يمكن تعويضه خلال أشهر، فدورة العمل في صناعة البترول طويلة؛ إذ تستغرق عمليات البحث والاستكشاف والحفر ثم التنمية وربط الحقول الجديدة على الشبكة ما بين خمس وسبع سنوات، بينما تحتاج الاكتشافات القريبة من التسهيلات القائمة إلى عام أو عامين حتى تدخل مرحلة الإنتاج.

ورغم ذلك، أثبت قطاع البترول المصري عبر تاريخه قدرته على تجاوز أصعب الظروف. فمنذ حرب يونيو 1967، حين تعرضت بعض معامل التكرير في السويس للقصف، نجحت الدولة في نقل أجزاء من هذه المعامل إلى القاهرة وطنطا والإسكندرية خلال فترة زمنية قياسية لضمان استمرار توفير المنتجات البترولية، كما واصل القطاع أداءه خلال حرب أكتوبر وحتى استعادة حقول سيناء.

وتكرر الأمر خلال الفترة من 2010 إلى 2017، وهي من أصعب المراحل التي مر بها القطاع، حيث تراجعت الاستثمارات الأجنبية نتيجة الظروف الاقتصادية، إلا أن العاملين في القطاع تمكنوا من الحفاظ على مستويات الإنتاج قدر الإمكان، قبل أن تستعيد الدولة قدرتها على سداد مستحقات الشركاء، وهو ما ساهم في عودة الاستثمارات وارتفاع الإنتاج مجددًا خلال عامي 2018 و2019.

لكن منذ عام 2020 واجه العالم سلسلة متلاحقة من الأزمات، بدأت بجائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بالأحداث في غزة، وصولًا إلى التوترات الإقليمية بين إيران وإسرائيل، وكلها فرضت ضغوطًا اقتصادية كبيرة على قطاع الطاقة في مختلف دول العالم، وليس في مصر فقط.

ورغم هذه التحديات، فإن العاملين في قطاعي البترول والكهرباء، بداية من الفنيين والمهندسين وحتى القيادات التنفيذية، بذلوا جهودًا كبيرة للحفاظ على استقرار المنظومة وتأمين احتياجات الدولة من الطاقة.

- وكيف ترى مستقبل قطاع الطاقة في ظل هذه التحديات؟

الدولة وضعت أهدافًا أكثر طموحًا في ملف الطاقة المتجددة، فبعد أن كان المستهدف الوصول إلى نسبة 42% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، أصبح الهدف الوصول إلى 45% من إجمالي مزيج الطاقة بحلول عام 2028، وهو ما يعكس حجم العمل الجاري في هذا الملف، ويؤكد أن قطاع الطاقة المصري يسير بخطى ثابتة رغم التحديات.

- ما أبرز الإنجازات التي تحققت في قطاعي الكهرباء والبترول خلال السنوات الأخيرة؟

إذا بدأنا بقطاع الكهرباء، فسنجد أنه شهد طفرة حقيقية خلال السنوات الماضية. ففي الفترة بين عامي 2012 و2015 كانت مصر تمتلك نحو 48 محطة كهرباء، وكان جزء كبير منها يعمل بنظام الدورة البسيطة بكفاءة منخفضة تتراوح بين 18 و23%، كما لم تكن القدرة الإنتاجية المتاحة تتجاوز 30 جيجاوات.

لكن مع تنفيذ مشروعات التطوير الكبرى، ورفع كفاءة المحطات القائمة، وإنشاء محطات جديدة وعلى رأسها محطات سيمنز، ارتفعت القدرة المتاحة إلى نحو 58 جيجاوات، وهو ما وفر احتياطيًا آمنًا لمواجهة الزيادة المستمرة في الأحمال، خاصة خلال فصل الصيف.

كما ارتفعت كفاءة المحطات القديمة إلى ما بين 40 و50%، بينما تصل كفاءة محطات سيمنز إلى نحو 63%، وهو ما يعني إنتاج كميات أكبر من الكهرباء باستخدام نفس كمية الغاز الطبيعي، الأمر الذي ساهم في ترشيد استهلاك الوقود وخفض تكلفة التشغيل.

كذلك شهدت شبكات النقل والتوزيع عمليات تطوير واسعة بعد سنوات طويلة من نقص الاستثمارات، حتى أصبحت أكثر قدرة على استيعاب القدرات الجديدة ومنع الاختناقات التي كانت تحدث في الماضي.

وفي الوقت نفسه، تتقدم أعمال تنفيذ محطة الضبعة النووية بصورة جيدة، وهو مشروع استراتيجي طال انتظاره منذ ستينيات القرن الماضي، وسيضيف مصدرًا جديدًا وآمنًا للطاقة ضمن مزيج الطاقة المصري.

كما نجحت الدولة في تأمين احتياجات محطات الكهرباء من الوقود، وهو ما انعكس على استقرار التغذية الكهربائية، لتشهد مصر للعام الثاني على التوالي استقرارًا كبيرًا في التيار الكهربائي، وأصبحت الأعطال التي قد تحدث ترتبط بأسباب فنية محدودة، وليس بنقص الوقود أو انخفاض قدرات التوليد.

أما في قطاع البترول، فقد كان التحدي الأكبر هو مواجهة التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول، والذي يصل سنويًا إلى ما بين 10 و15% نتيجة انخفاض الضغط داخل الآبار. ولذلك فإن الحفاظ على معدلات الإنتاج الحالية يُعد في حد ذاته إنجازًا، لأنه يعني إضافة إنتاج جديد يعوض هذا الانخفاض الطبيعي.

كما ساهمت الدولة في استعادة ثقة الشركاء الأجانب من خلال سداد جانب كبير من مستحقاتهم، إلى جانب تعديل بعض الاتفاقيات بما يوفر حوافز تشجع على زيادة الإنتاج، خاصة في مناطق الامتياز القائمة، وهو ما ساعد على تسريع عمليات التنمية وربط الآبار الجديدة بالشبكة القومية للإنتاج.

- هل نجحت هذه الإنجازات في ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة؟

أعتقد أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية أو زيادة في القدرات الإنتاجية، وإنما أسهم في تعزيز مكانة مصر إقليميًا، والأهم أنه منح الدولة قدرًا كبيرًا من الاستقلالية في اتخاذ القرار، وحماها من التعرض لأي ضغوط أو ابتزاز سياسي يتعلق بالطاقة.

لدينا دول في المنطقة تمتلك احتياطيات ضخمة من البترول والغاز، لكنها لا تمتلك منظومة متكاملة للتكرير أو النقل أو الإسالة أو التخزين، وبعضها تأثر بالاضطرابات السياسية والصراعات التي شهدتها المنطقة، وهو ما جعلها تعتمد على تصدير الخام واستيراد المنتجات البترولية. أما مصر، فاستطاعت على مدار عقود الحفاظ على بنيتها الأساسية وتطويرها، وهو ما منحها ميزة تنافسية حقيقية.

ومن أهم عناصر هذه المنظومة امتلاك مصر معامل تكرير، وشبكات واسعة لنقل الخام والغاز والمنتجات البترولية، ومحطات إسالة الغاز، إلى جانب الموانئ ومنشآت التخزين، وهي عناصر لا تُبنى في سنوات قليلة، بل هي استثمارات تراكمية حافظت عليها الدولة وطورتها باستمرار.

كما أن التوسع في وحدات استقبال الغاز الطبيعي المسال يمثل أحد الإنجازات المهمة، فبعد أن كانت مصر تعتمد على وحدتين فقط في العين السخنة، أصبح لديها خمس وحدات قادرة على استقبال أكثر من 3.5 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو ما وفر مرونة كبيرة في تأمين احتياجات السوق المحلية، وأصبحنا أقل تأثرًا بأي توقف في خطوط الإمداد الخارجية.

وهذا التطور منح مصر أيضًا موقفًا تفاوضيًا أفضل في اتفاقيات استيراد الغاز، كما يدعم جهودها للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة بالتعاون مع دول شرق المتوسط، وفي مقدمتها قبرص واليونان.

- هل لا تزال هناك فرص حقيقية لتحقيق اكتشافات جديدة من البترول والغاز في مصر؟

نعم، وبلا شك. مصر ما زالت تمتلك فرصًا واعدة للغاية في مجال البحث والاستكشاف.
إذا نظرنا إلى إجمالي مساحة مصر البرية والبحرية، التي تتجاوز مليونًا ونصف المليون كيلومتر مربع، سنجد أن أعمال البحث والاستكشاف لم تشمل سوى نحو 15% فقط من هذه المساحة، وهو ما يعني أن هناك مناطق واسعة لم تُستكشف بعد.
كما أن الحقول المنتجة حاليًا لم يتم استخراج سوى نحو 30% من احتياطياتها، وهو ما يؤكد أن إمكانات زيادة الإنتاج لا تزال قائمة.

وتشير الدراسات والتقارير الدولية إلى أن منطقة شرق البحر المتوسط تُعد من أغنى المناطق عالميًا باحتياطيات الغاز الطبيعي، وما تحقق فيها حتى الآن يمثل جزءًا فقط من الإمكانات المتاحة.

إضافة إلى ذلك، فإن الصحراء الغربية ما زالت تمتلك فرصًا كبيرة لاكتشافات جديدة، وكذلك الصحراء الشرقية، بينما يمثل البحر الأحمر أحد أهم المناطق الواعدة مستقبلًا، إذ اقتصرت الأعمال فيه حتى الآن على الدراسات السيزمية والخرائط الجيولوجية، ولم تبدأ عمليات التنمية والإنتاج الفعلية بسبب الظروف الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

لذلك، فأنا متفائل بإمكانية تحقيق اكتشافات كبيرة خلال المرحلة المقبلة، إذا استمرت برامج البحث والاستكشاف بنفس الوتيرة.

- كيف تقيم وضع الاستثمارات الأجنبية في قطاع البترول؟ وما المطلوب لجذب المزيد منها؟

الاستثمار في قطاع البترول يرتبط في الأساس بعامل الثقة، والشركات العالمية لا تتردد في الاستثمار داخل مصر إذا كانت هناك بيئة مستقرة وقدرة على الوفاء بالالتزامات.

والتحدي الأكبر الذي واجه القطاع خلال السنوات الماضية كان مرتبطًا بتأخر سداد مستحقات الشركاء الأجانب، وهو ما أثر على خطط الاستثمار والاستكشاف.

لكن مع تحسن هذا الملف ونجاح الدولة في سداد جانب كبير من المستحقات، عادت الثقة تدريجيًا، وأعلنت الشركات الأجنبية خططًا لضخ استثمارات تتراوح بين 18 و20 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وأرى أن هذا الرقم جيد، وقد يرتفع بصورة أكبر إذا شهدت المنطقة مزيدًا من الاستقرار السياسي والاقتصادي، لأن مصر لا تزال واحدة من أكثر الأسواق الجاذبة للاستثمار في مجال الطاقة بفضل بنيتها التحتية وخبراتها الفنية.

يثار كثير من الجدل حول آلية التسعير التلقائي للوقود.. هل أصبحت الأسعار في مصر مرتبطة بالكامل بالأسعار العالمية؟

هذه القضية كثيرًا ما يساء فهمها، ولذلك أحرص دائمًا على توضيحها. ما أقوله دائمًا هو أن هناك فرقًا بين التكلفة الحقيقية للوقود وبين سعر البيع للمواطن.

التكلفة الحقيقية للتر الوقود في مصر تدور حاليًا حول 70 إلى 80 سنتًا، ويتم احتسابها بناءً على متوسط تكلفة جميع مكونات المنتج. فجزء من الوقود يأتي من إنتاج الدولة، وجزء يتم شراؤه من حصة الشريك الأجنبي وفق الأسعار العالمية، وهناك كميات يتم استيرادها سواء في صورة خام أو منتجات جاهزة، ثم تُحسب التكلفة النهائية وفق الوزن النسبي لكل عنصر.

لكن هذا لا يعني أن الدولة تبيع الوقود بهذه التكلفة.
فمستويات الدخول في مصر تختلف عن الدول الأخرى، ولا يمكن تحميل المواطن التكلفة الكاملة، ولذلك تتحمل الدولة فارقًا بين التكلفة وسعر البيع.

وهنا يجب التفريق بين مفهوم الدعم ومفهوم الفرصة البديلة. فأنا لا أتفق مع من يقول إن الدعم هو الفرق بين السعر المحلي والسعر العالمي أو ما يسمى بسعر الفرصة البديلة. فالدعم الحقيقي هو الفرق بين تكلفة إنتاج أو توفير المنتج وسعر بيعه للمواطن.

وفي النهاية، فإن الدولة تدير مواردها بما يحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحماية المواطنين، وقد تنجح في ذلك بدرجات متفاوتة وفق الظروف الاقتصادية التي تمر بها، وهذا أمر طبيعي يحدث في مختلف دول العالم.

- شهدت الفترة الأخيرة إعلان عدد من الاكتشافات البترولية والغازية الجديدة، لكن المواطن يتساءل دائمًا: إذا كانت هناك اكتشافات جديدة، فلماذا لا تنخفض أسعار الوقود؟

هذا سؤال منطقي، لكن الإجابة تحتاج إلى توضيح لطبيعة صناعة البترول. فالحقول البترولية والغازية بطبيعتها يتراجع إنتاجها سنويًا نتيجة الانخفاض الطبيعي في ضغط الآبار، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج بمعدل يتراوح بين 10 و15% كل عام.

ولذلك فإن الجزء الأكبر من الاكتشافات الجديدة يوجه في البداية لتعويض هذا التراجع الطبيعي، حتى نحافظ على مستوى الإنتاج الحالي، وليس بالضرورة أن يؤدي إلى زيادة الإنتاج بصورة مباشرة.

وعندما ننجح في تثبيت الإنتاج عند مستواه الحالي، فهذا في حد ذاته إنجاز، لأنه يعني أننا عوضنا الانخفاض الطبيعي في الحقول.

أما إذا تحقق اكتشاف ضخم بحجم حقل «ظهر» أو أكبر منه، فهنا يمكن أن نتحدث عن زيادة حقيقية في الإنتاج تقلل من كميات الاستيراد، وهو ما ينعكس تدريجيًا على تكلفة المنتج النهائي، لأن تكلفة الوقود تعتمد على متوسط تكلفة جميع مكوناته، سواء المنتج محليًا أو المستورد.

- كيف يمكن تحقيق التوازن بين تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي وحماية محدودي الدخل من آثار ارتفاع أسعار الطاقة؟

لا يوجد برنامج إصلاح اقتصادي في العالم يُنفذ كما وُضع على الورق منذ البداية، لأن الظروف الاقتصادية والسياسية تتغير باستمرار.

فعندما وضعت مصر برنامج الإصلاح الاقتصادي قبل سنوات، لم يكن أحد يتوقع جائحة كورونا، أو الحرب الروسية الأوكرانية، أو التطورات التي شهدتها المنطقة بعد ذلك، وكل هذه الأحداث فرضت متغيرات جديدة استوجبت تعديل بعض السياسات.

والمؤسسات الدولية، سواء البنك الدولي أو صندوق النقد، تدرك هذه المتغيرات، وتتعاون مع الدول في إعادة تقييم البرامج بما يتناسب مع الواقع.

كما أن نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر لا يمثل مصلحة مصر فقط، بل يمثل أيضًا مصلحة للشركاء الدوليين.

فإذا لم يتحقق النمو الاقتصادي ولم تتحسن فرص العمل، فإن معدلات الهجرة غير الشرعية سترتفع، وأوروبا ستكون أول المتأثرين بذلك.

ولهذا فإن دعم استقرار الاقتصاد المصري يحقق مصلحة مشتركة، سواء لمصر أو للدول الأوروبية، لأنه يقلل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالهجرة.

- ما البدائل الاقتصادية التي يمكن أن تخفف من تأثير ارتفاع أسعار الوقود على المواطنين؟

البديل الأهم هو الإسراع في تنفيذ برنامج التحول الطاقي.
فالدولة تتحمل جزءًا كبيرًا من تكلفة دعم السولار، إذ يتم استهلاك نحو 50 مليون لتر يوميًا، بينما يتم استيراد نسبة كبيرة منه من الخارج.

ولو نجحنا في تحويل جزء كبير من السيارات للعمل بالغاز الطبيعي، فإننا سنخفض استهلاك السولار بصورة كبيرة، وهو ما يقلل فاتورة الاستيراد، ويخفض حجم الدعم الذي تتحمله الموازنة.

كما أن التوسع في استخدام السيارات الكهربائية يمثل خطوة مهمة، لأن تكلفة تشغيلها أقل بكثير من السيارات التقليدية.
فعندما يقارن المواطن بين تكلفة شحن سيارة كهربائية وتكلفة شراء الوقود التقليدي، سيجد أن السيارة الكهربائية أكثر توفيرًا على المدى الطويل، خاصة مع انتشار محطات الشحن السريع على الطرق والمحاور الرئيسية.

ولذلك تعمل الدولة في الوقت نفسه على أكثر من محور؛ التوسع في استخدام الغاز الطبيعي، وتشجيع السيارات الكهربائية، وإنشاء البنية التحتية اللازمة، لأن هذه الملفات مترابطة ولا يمكن تنفيذ أحدها بمعزل عن الآخر.

- كيف ترون مستقبل مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر؟

العالم كله يتجه نحو ما يسمى بمزيج الطاقة المتوازن، لكن كل دولة تحدد أولوياتها وفقًا لظروفها الاقتصادية ومواردها الطبيعية.
هناك دول مثل اليابان وكوريا لا تمتلك احتياطيات من البترول أو الغاز، ولذلك تعتمد على جميع البدائل المتاحة، بما فيها الهيدروجين.
أما في مصر، فما زالت لدينا مصادر طاقة أقل تكلفة، مثل الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ولهذا فإن الهيدروجين الأخضر، رغم أهميته المستقبلية، لا يمثل في الوقت الحالي البديل الاقتصادي الأنسب بالنسبة لمصر.
فعندما تكون تكلفة إنتاج الطاقة من مصادر أخرى أقل بكثير، فمن الطبيعي أن نعتمد عليها أولًا.
لكن هذا لا يعني تجاهل الهيدروجين، بل يعني أن التوسع فيه يجب أن يتم في التوقيت الذي يصبح فيه مجديًا اقتصاديًا، خاصة مع انخفاض تكلفته مستقبلًا.
وقد يكون استخدامه مناسبًا في بعض القطاعات مثل النقل البحري أو الصناعات الثقيلة، لكن بالنسبة للاستخدامات المحلية، لا تزال البدائل الأخرى أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية.

- متى يمكن القول إن مصر حققت أمن الطاقة بشكل كامل؟

أمن الطاقة لا يعني أن تمتلك الدولة احتياطيات ضخمة من البترول أو الغاز، وإلا لما نجحت دول صناعية كبرى مثل اليابان وألمانيا وكوريا والهند.

المفهوم الحقيقي لأمن الطاقة هو امتلاك مزيج متوازن من مصادر الطاقة، بحيث لا تعتمد الدولة على مصدر واحد.
وخلال السنوات الماضية بدأت مصر بالفعل في تحقيق هذا التوازن، من خلال التوسع في الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، والغاز الطبيعي، إلى جانب البترول.

وعندما يكتمل هذا المزيج، ستكون مصر قد حققت مفهوم أمن الطاقة بمعناه الحقيقي، مع الاستفادة من مواردها في الصناعات ذات القيمة المضافة بدلًا من استهلاكها بالكامل في إنتاج الكهرباء أو الوقود.

- ما أهم الملفات التي ترى أنها يجب أن تحظى بالأولوية في قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة؟

أرى أن الملف الأكثر أهمية خلال السنوات المقبلة هو التحول الطاقي، لأنه ليس مجرد مشروع يخص وزارة البترول أو الكهرباء، وإنما مشروع وطني متكامل يرتبط بمستقبل الاقتصاد المصري، ويحتاج إلى مشاركة جميع مؤسسات الدولة.

فعندما نتحدث عن التحول الطاقي، فإننا لا نتحدث فقط عن إنشاء محطات جديدة أو إدخال مصادر طاقة مختلفة، وإنما نتحدث أيضًا عن تغيير ثقافة المجتمع في التعامل مع الطاقة، وترشيد الاستهلاك، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.

ولهذا أقول دائمًا إن نجاح هذا الملف يبدأ من المدرسة، ولذلك فإن لوزارة التربية والتعليم دورًا أساسيًا في غرس ثقافة ترشيد استهلاك الطاقة لدى الأطفال منذ الصغر، لأن السلوكيات التي يكتسبها الإنسان في سنواته الأولى تظل ملازمة له طوال حياته.

كما أن لوزارة النقل دورًا مهمًا من خلال التوسع في وسائل النقل الجماعي الحديثة، مثل المونوريل والقطار الكهربائي والمترو، لأن هذه الوسائل تقلل الاعتماد على السيارات الخاصة، وتخفض استهلاك الوقود بصورة كبيرة.

وينطبق الأمر نفسه على وزارات التنمية المحلية والطيران والأوقاف والأزهر والإعلام، فكل جهة تستطيع أن تسهم في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الاستخدام الرشيد للطاقة.

وأؤكد هنا أن الإعلام شريك أساسي في هذه المنظومة، من خلال تقديم معلومات دقيقة للمواطنين، وتنظيم نقاشات موضوعية تعتمد على الحقائق، بعيدًا عن الإثارة أو تداول معلومات غير مكتملة قد تؤدي إلى تكوين انطباعات غير صحيحة لدى الرأي العام.

ولذلك فإن رفع الوعي المجتمعي لا يقل أهمية عن تنفيذ المشروعات نفسها، لأن نجاح أي خطة يعتمد في النهاية على مدى اقتناع المواطنين بها ومشاركتهم في تنفيذها.

- إذا طُلب منك تقديم ثلاث توصيات للحكومة في ملف الطاقة، فما أبرز هذه التوصيات؟

التوصية الأولى هي الالتزام بالمنهج العلمي في تنفيذ برنامج التحول الطاقي، بحيث تكون جميع الخطوات مبنية على دراسات فنية واقتصادية واضحة.

أما التوصية الثانية فتتمثل في تقديم حوافز اقتصادية وتمويلية للمواطنين، لتشجيعهم على التحول إلى وسائل نقل أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، سواء من خلال السيارات العاملة بالغاز الطبيعي أو السيارات الكهربائية.

فإذا كان المواطن سيحصل على قرض مرتفع الفائدة لتغيير سيارته، فمن الطبيعي أن يتردد، لكن إذا وفرت الدولة برامج تمويل ميسرة، فإن الوفر الذي سيتحقق في دعم الوقود سيكون أكبر من تكلفة هذه الحوافز.

أما التوصية الثالثة فهي الاستمرار في نشر ثقافة ترشيد استهلاك الطاقة، لأن تغيير السلوك المجتمعي يمثل أحد أهم عناصر نجاح أي استراتيجية وطنية في هذا المجال.

- كيف ترى شكل قطاع الطاقة المصري بحلول عام 2030؟

لدي قدر كبير من التفاؤل بشأن مستقبل قطاع الطاقة في مصر.
أتمنى أن أشهد خلال السنوات المقبلة دخول محطة الضبعة النووية الخدمة، وأن تصبح الطاقة الشمسية وطاقة الرياح جزءًا رئيسيًا من مزيج الطاقة المصري، بما يحقق تنوعًا أكبر في مصادر الطاقة ويخفض الاعتماد على الوقود التقليدي.

كما أتطلع إلى أن تحقق صناعة البتروكيماويات نقلة نوعية، بحيث يتم توجيه نسبة أكبر من إنتاج البترول والغاز إلى الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، بدلًا من استخدام هذه الموارد في الحرق المباشر لتوليد الكهرباء أو تشغيل وسائل النقل.
فكلما زادت القيمة المضافة للصناعات البترولية، زادت مساهمة القطاع في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، وتعزيز الصادرات.

وأعتقد أن مصر تمتلك المقومات التي تؤهلها لتحقيق هذه الأهداف، سواء من حيث البنية التحتية، أو الموقع الجغرافي، أو الكفاءات البشرية، أو الفرص الاستثمارية المتاحة.

- في ختام الحوار.. هل لديكم أقوال أخرى؟

رسالتي الأساسية هي أن قطاع الطاقة المصري يمتلك إمكانات كبيرة، لكنه يحتاج إلى استمرار العمل وفق رؤية علمية واضحة، مع الحفاظ على الاستثمارات، وتشجيع البحث والاستكشاف، والتوسع في مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وتعزيز الصناعات القائمة على البترول والغاز.

كما أتمنى أن تحظى القضايا الاقتصادية، وملفات الطاقة تحديدًا، بمعالجة إعلامية دقيقة تعكس مضمون التصريحات كما هي، بعيدًا عن الاجتزاء أو العناوين المثيرة التي قد تخرج الحديث عن سياقه.

وفي النهاية، فإن مستقبل الطاقة في مصر يبعث على التفاؤل، وإذا استمرت جهود التطوير الحالية، فإن السنوات المقبلة ستشهد تطورًا كبيرًا في هذا القطاع الحيوي، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.

نقلا عن العدد الورقي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق