«ليست حربنا».. ستارمر يواجه غضب ترامب واستثمارات الخليج في حرب إيران

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية على كاهل حكومة العمال وسط تصاعد الصراع الدائر في الشرق الأوسط. يقف رئيس الوزراء كير ستارمر في عين العاصفة متمسكا بشعار النأي بالنفس في مواجهة الهجمات المتبادلة. تثير هذه السياسة جدلا واسعا في الأوساط البريطانية حيث تتداخل المخاوف من التداعيات المعيشية مع القلق على مكانة البلاد الاستراتيجية.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" تتزايد الأعباء المرتبطة بأزمة إيران على حكومة لندن بشكل متسارع. تصدر تقارير متتالية تحذر من تداعيات اقتصادية وخيمة قد تضرب استقرار بريطانيا قريبا. تضع هذه التحديات الداخلية والخارجية المعقدة مصير التشكيلة الوزارية بأكملها على المحك الحقيقي خلال الاستحقاق البلدي المفصلي الذي تنتظره البلاد في مايو المقبل.

​يكرر المسؤول البريطاني الأول عبارة "ليست حربنا" في كل إطلالة إعلامية يتحدث فيها عن التوترات الحالية.

يستعين بهذا الشعار ليبرر بوضوح عدم انخراط بلاده العسكري المباشر في أحداث تقع على بعد آلاف الأميال. يبدو أن هذا السحر قد ينقلب قريبا على الساحر مع اتساع رقعة الأصوات الرافضة لمبدأ الحياد التام.

أصوات المعارضة من داخل البيت العمالي

​لم تقتصر الانتقادات على الخصوم بل امتدت إلى كبار قادة الحزب الحاكم. صرح رئيس الوزراء الأسبق توني بلير بأنه كان يفترض ببريطانيا أن تشارك الولايات المتحدة بقوة في هذه الحرب. لم يتردد بلير في إعلان خلافه مع سياسات القيادة الحالية وهو الذي شارك سابقا في الغزو الأميركي للعراق.

​انبرت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر للدفاع عن توجهات حكومتها في محاولة لتخفيف حدة الانتقادات، حث  أوضحت أن الإدارة الحالية تسعى جاهدة للاستفادة من دروس الماضي عبر تجنب تكرار أخطاء الحكومات السابقة. تطرح هذه التبريرات تساؤلات جدية حول ما إذا كانت العبرة الحقيقية تكمن في التخلي عن الحليف الأميركي في الشرق الأوسط.

​تعالت الأصوات المحذرة من استمرار هذا النهج الدبلوماسي البارد الذي يفتقر للجرأة والحسم.

ويرى مراقبون أن ابتعاد صناع القرار في لندن عن قلب الحدث العسكري يضعف موقفهم في المفاوضات المستقبلية. يشكل هذا التراجع التدريجي عن الدور القيادي التاريخي ضربة موجعة لصورة المملكة المتحدة كقوة عظمى فاعلة في الساحة الدولية.

هجوم المحافظين وتساؤلات حول المصالح الوطنية

​انضم خصوم الأمس إلى طابور المنتقدين بشراسة غير مسبوقة. نشر رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون مقالا لاذعا في صحيفة ديلي ميل أكد فيه صوابية موقف بلير. انتقد جونسون بشدة ادعاءات الحكومة الحالية محاولا تفنيد الحجج التي تساق لتبرير الغياب البريطاني عن ساحة العمليات العسكرية المباشرة ضد طهران.

​استذكر جونسون في مقاله مواقف مارغريت تاتشر وتوني بلير خلال حربي الخليج في العقدين الماضيين. اعتبر أن تلك التدخلات كانت بمثابة نجاحات عسكرية فورية حققت أهدافا علنية واضحة ومحددة. أشار إلى أن الدافع الأساسي لقراراتهم التاريخية كان حماية مكانة بريطانيا المرموقة في المنطقة وتعزيز قوة حلف شمال الأطلسي.

​يرى جونسون أنه كان لزاما على لندن التواجد في غرفة عمليات الحرب منذ اللحظات الأولى لاندلاعها. تمتلك بريطانيا خبرة تاريخية وفهما عميقا لتعقيدات الخليج يفوق أي دولة أخرى. كانت هذه المشاركة ستتيح للمملكة المتحدة توجيه مسار الصراع بما يخدم مصالحها بدلا من ترك الساحة خالية لقرارات واشنطن وتل أبيب.

​طرح جونسون تساؤلات جوهرية باتت تتردد يوميا على ألسنة المواطنين في الشوارع البريطانية. تعجب من استمرار رفع شعار الحياد بينما ترتفع كلفة المعيشة بشكل جنوني بسبب تعطل سلاسل التوريد. تساءل بغضب عن جدوى هذا الموقف ورعايا المملكة المتحدة وقواعدها العسكرية في قبرص تتعرض لتهديدات مستمرة من قبل الطائرات المسيرة الإيرانية.

تداعيات اقتصادية وخيارات حكومية قاسية

​وجه جونسون نصيحة مباشرة للقيادة الحالية بضرورة النظر إلى حجم الاستثمارات الخليجية الضخمة في العاصمة لندن. حذر من احتمالية تغير هذا الواقع الاقتصادي المزدهر بعد انتهاء الحرب الراهنة. ألمح في حديثه إلى أن تخاذل المملكة المتحدة عن نصرة حلفائها الاستراتيجيين في الأوقات الصعبة لن يمر دون عواقب وخيمة مستقبلا.

​تتردد أصداء هذه التحذيرات بقوة داخل أروقة الحكومة العمالية التي تبحث عن مخارج آمنة. يحاول ستارمر ووزراؤه التعامل مع هذه الاستحقاقات المعقدة دون التراجع الرسمي عن موقف الحياد العسكري المعلن منذ أواخر فبراير الماضي. لم يقنع هذا الحياد الجانب الإيراني ولم ينجح في تجنيب الاقتصاد البريطاني تداعيات الأزمة العالمية.

​لجأت بريطانيا إلى بدائل دبلوماسية وتكتيكية تعويضا عن الغياب العسكري المباشر في ساحة المعركة. سمحت لندن للقوات الأميركية باستخدام بعض قواعدها لشن هجمات دفاعية محدودة ضد الأهداف الإيرانية. قررت الحكومة تركيز جهودها على احتواء الأضرار الاقتصادية محليا ودعم المواطنين من خزينة الدولة بدلا من التورط في حرب مفتوحة مكلفة.

​أطلقت القيادة السياسية مبادرات بحرية موسعة لضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة العالمية. أعلن ستارمر عن تشكيل تحالف دولي يضم عشرات الدول لتعزيز الأمن البحري في مضيق هرمز الحيوي. تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى السيطرة على أسعار النفط المشتعلة التي تهدد بمزيد من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة على الأسر البريطانية.

​شهدت الأيام الماضية تحركات مكثفة داخل أروقة الدبلوماسية البريطانية لمحاولة إصلاح ما أفسدته التوترات الأخيرة. أرسلت الحكومة مبعوثين خاصين إلى العواصم الخليجية لطمأنة الشركاء الاستراتيجيين حول متانة العلاقات الثنائية. تحاول هذه الجهود التأكيد على أن الموقف الحالي يعكس ظروفا داخلية استثنائية ولا يمثل تغييرا جذريا في عقيدة التحالفات البريطانية الراسخة.

استحقاقات انتخابية تهدد المستقبل السياسي

​تسببت هذه المواقف المترددة في إثارة غضب الإدارة الأميركية بشكل علني وصريح. وجه الرئيس دونالد ترامب انتقادات لاذعة للقيادة البريطانية بسبب تأخرها في دعم العمليات العسكرية ضد طهران. كشف هذا التوبيخ العلني عن فجوة حقيقية وتوتر غير مسبوق في العلاقة الخاصة والتاريخية التي طالما جمعت بين واشنطن ولندن.

​يؤكد ساسة اليمين أن التوجهات الحالية فشلت في إرضاء الحلفاء التقليديين في الغرب والشرق على حد سواء. يدور التساؤل الأساسي حول ترتيب الأولويات العمالية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد. يبدو أن الهدف الأهم هو إرضاء الجبهة الداخلية وكسب ثقة الناخبين قبل الوصول إلى عتبة انتخابات حساسة ومصيرية.

​تستعد الساحة السياسية لخوض غمار انتخابات بلدية بالغة الأهمية مقررة في شهر مايو القادم. يواجه الحزب الحاكم منافسة شرسة من تيارات سياسية متعددة تسعى لاستغلال حالة الغضب الشعبي. تبرز أحزاب اليسار المعارضة بشدة للسياسات الغربية في الشرق الأوسط كأحد أهم المهددين لقاعدة الأصوات العمالية في مختلف المقاطعات البريطانية.

​ترسم استطلاعات الرأي الحديثة صورة قاتمة لمستقبل التكتل السياسي الحاكم في الاستحقاق القادم. تتوقع المؤشرات فقدان مئات المقاعد البلدية لصالح أحزاب صاعدة بقوة مثل حزب ريفورم وحزب الخضر. تمثل هذه الأرقام المفزعة جرس إنذار حقيقي للقيادة الحالية التي تخشى أن ترسم هذه النتائج نهاية مبكرة لمسيرتها في حكم البلاد.

​تتجه الأنظار نحو صناديق الاقتراع التي ستعكس حتما مدى نجاح هذه التبريرات في إقناع المواطن البسيط. يراقب الشارع البريطاني بحذر تطورات المشهد المتسارع محاولا الموازنة بين المخاوف الاقتصادية الشخصية والمبادئ الأخلاقية والسياسية. تعتبر هذه المرحلة الانتقالية من أصعب الفترات التي تمر بها البلاد في تاريخها الديمقراطي الحديث على الإطلاق.

رهانات التقارب الأوروبي في مواجهة العزلة

​يسعى رئيس الوزراء جاهدا لقلب هذه التوقعات السلبية واستعادة ثقة مختلف شرائح المجتمع. يصر ستارمر على رفض الانخراط العسكري لإظهار حرصه الشديد على حماية أرواح ومقدرات المواطنين. يتعهد باستمرار التدخل الحكومي لإنقاذ الأسر من التبعات الاقتصادية القاسية مهما طال أمد الصراع وتوسعت رقعته الجغرافية في منطقة الشرق الأوسط.

​تصطدم هذه الوعود الطموحة بواقع مالي مرير واقتصاد وطني يعاني من الهشاشة المستمرة. تقف الخزينة العامة مرهقة وعاجزة عن تحمل تكاليف أزمة عالمية طويلة الأجل دون اللجوء لإجراءات تقشفية. تجد الحكومة نفسها أمام خيارات قاسية للتعامل مع أزمة الطاقة التي تضرب صميم الحياة اليومية وتشل حركة العمل والإنتاج.

​يتمثل الخيار الأول في التخلي المؤقت عن خطط الحياد الكربوني لزيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز. يكلف هذا المسار خسارة فادحة لأصوات أنصار البيئة التي ستذهب مباشرة لصالح حزب الخضر. يتطلب الخيار الثاني تدخلا عسكريا بحريا مباشرا لفتح خطوط الإمداد وهو ما سيفجر غضب أحزاب اليسار المناهضة للحرب تماما.

​تتزايد الخطورة مع وجود تيارات داخلية تتربص بالقيادة الحالية وتنتظر تعثرها في الاستحقاق البلدي. يخطط هؤلاء الطامحون للانقلاب على الزعامة والمنافسة على قيادة الحزب والحكومة في أول فرصة سانحة. يستغل هؤلاء الخصوم سياسات التعامل مع الأزمة الإيرانية لتوجيه ضربات سياسية موجعة ومستمرة بغية إضعاف الموقف العام لرئيس الوزراء.

​يروج المسؤولون لفكرة التقارب الاستراتيجي مع القارة الأوروبية كبديل عملي لتعويض الخسائر الدبلوماسية مع واشنطن. أعلنت لندن عن استضافة قمم مشتركة لتعزيز الشراكة الأمنية والاقتصادية مع الجيران في أوروبا. تواجه هذه المساعي تحديات ضخمة بسبب الانقسام الشعبي الحاد حول جدوى العودة للاندماج الأوروبي بعد سنوات قاسية من تطبيق الخروج.

​تظل الانتخابات المحلية القادمة هي القول الفصل والمحطة الحاسمة في تقييم نجاعة مبدأ النأي بالنفس. يدرك ستارمر جيدا أن الانتصار الداخلي لن يمحو الإشكاليات الخارجية المعقدة التي ترتبت على قراراته الأخيرة. ستحتاج بريطانيا إلى جهود دبلوماسية مضنية ومكلفة لاستعادة ثقة حلفائها التاريخيين وحماية مصالحها الحيوية المنتشرة في أرجاء العالم.

​تشير التوقعات إلى أن الأيام القادمة ستحمل مزيدا من المفاجآت السياسية على الصعيدين المحلي والدولي. سيتعين على القيادة الحالية إثبات قدرتها على الملاحة الآمنة في هذه المياه الإقليمية والدولية شديدة الاضطراب. سيسجل التاريخ بلا شك كيف تعاملت هذه الحكومة مع أخطر أزمة جيوسياسية تهدد استقرار النظام العالمي الجديد بأسره.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق