في تحرك يعكس تحولاً لافتاً في مسار العلاقات عبر مضيق تايوان، استقبلت بكين زعيمة حزب المعارضة التايواني «الكومينتانغ» في زيارة هي الأولي منذ عشر سنوات، استمرت من الثلاثاء الماضي إلى أمس الأحد ، حيث تأتي هذه الزيارة في توقيت دقيق تسعى فيه الصين إلى إعادة تنشيط قنوات التواصل مع تايوان عبر طرح رؤى جديدة للتعاون وتخفيف حدة التوتر.
ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية، بل امتدت لتشمل جولات ميدانية في مجالات التكنولوجيا والتعليم والصناعة، إلى جانب محطات تاريخية تعكس عمق الروابط المشتركة.
10 تدابير وسياسات جديدة
وبالتزامن مع ختام الزيارة الرسمية التي قام بها تشنغ لي وون ، كشفت السلطات الصينية، الأحد، عن حزمة شاملة تضم عشر سياسات وتدابير استراتيجية تهدف في مقامها الأول إلى تعزيز التبادلات والتعاون عبر مضيق تايوان.
وأوضح مكتب عمل تايوان باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في بيان ، أن هذه الحزمة الجديدة تأتي كمبادرة لدفع عجلة التنمية السلمية للعلاقات بين الجانبين، مع التركيز بشكل خاص على تمتين الروابط الأسرية وتحسين رفاهية المواطنين على ضفتي المضيق.
حيث تضمنت الإجراءات المعلنة بذل جهود حثيثة لاستكشاف وإنشاء آلية تواصل منتظمة ومستقرة بين الحزب الشيوعي الصيني وحزب الكومينتانغ، إلى جانب تأسيس منصة مؤسسية مبتكرة تهدف إلى تشجيع التبادلات والتعاون عبر مضيق تايوان في أوساط الشباب، لضمان استمرارية الحوار بين الأجيال الصاعدة.
ولم يقتصر الأمر على الجوانب السياسية والشبابية، بل امتد ليشمل خططاً خدمية ملموسة، حيث سيتم حث المناطق الساحلية في مقاطعة فوجيان الصينية، وهي الأقرب جغرافياً لتايوان، على البدء في مشاركة إمدادات المياه والكهرباء والغاز مع جزر كينمن وماتسو، كما تشجع السلطات بجدية بناء جسور بحرية تربط بين هذه المناطق فور توفر الظروف الملائمة، ما يساهم في خلق بيئة معيشية متكاملة تسهل حياة المواطنين اليومية وتدعم الاستقرار الاقتصادي في المناطق الساحلية المتقابلة.
تسهيلات غير مسبوقة
وفي إطار السعي لتسهيل حركة الانتقال، أكد البيان أن الصين ستعمل على تسريع استئناف الرحلات الجوية المباشرة والمنتظمة بشكل كامل، لتشمل مدناً حيوية مثل أورومتشي وشيآن وهاربين وكونمينغ ولانتشو، وهو ما يمثل خطوة جوهرية في تعزيز التبادلات والتعاون عبر مضيق تايوان على المستوى الشعبي والسياحي.
حيث سيتم دعم كينمن لاستخدام المطار الجديد الذي تم بناؤه في مدينة شيامن المجاورة لها في مقاطعة فوجيان، فضلاً عن إنشاء آلية اتصال ترتكز على الأساس السياسي المشترك المتمثل في التمسك بـ«توافق عام 1992» ومعارضة «استقلال تايوان» لتسهيل دخول المنتجات الزراعية والسمكية التايوانية التي تستوفي معايير الحجر الصحي إلى البر الرئيسي، بالإضافة إلى دراسة بناء أرصفة ومراسي مخصصة لسفن الصيد التايوانية وتسهيل عمليات بيع حصيلة الصيد، فضلاً عن تبسيط إجراءات تسجيل شركات الأغذية التايوانية لدخول السوق الصينية بسلاسة.
انفتاح تجاري
وأضاف البيان أن الصين ستدرس إنشاء المزيد من الأسواق التجارية للسلع منخفضة القيمة مع تايوان، مع العمل علي تقديم الدعم للشركات التايوانية الصغيرة والمتوسطة الحجم لتوسيع أعمالها في الصين.
ومن الإجراءات التي طرحتها الصين أنه يمكن بث البرامج التلفزيونية والأفلام الوثائقية والرسوم المتحركة المؤهلة من تايوان في الصين، بالإضافة إلي تمكين الأشخاص من تايوان من المشاركة في إنتاج الدراما القصيرة في الصين بأشكال مختلفة.
كما ستشجع الصين علي استئناف الرحلات الفردية لسكان شانغهاي وفوجيان إلى تايوان.
الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي
وخلال جولتها في العاصمة بكين، أبدت زعيمة المعارضة التايوانية، اهتماماً بالغاً بالتقدم الذي أحرزته الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والنمو القائم على الابتكار، مشيرةً إلى أن هذه المجالات تمثل فرصاً واعدة لتقوية التبادلات والتعاون عبر مضيق تايوان في المستقبل القريب.
وقد تضمنت زيارة الوفد التايواني محطات تقنية هامة، بدأت بالمدرسة الثانوية التابعة لجامعة تسينغهوا، حيث اطلعوا على دمج الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية وشاهدوا مشروعات طلابية متطورة تشمل كلاباً روبوتية وأذرعاً آلية ومباريات كرة قدم للروبوتات.
وأكدت تشنغ أن رغبتها في الاطلاع على كيفية تعليم الذكاء الاصطناعي في المدارس والتواصل مع شركات التكنولوجيا في بكين، واصفة الرحلة بأنها "جديرة بالاهتمام"، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الصناعي والتقني.
محطات تاريخية وصناعية
ولم تخلُ الزيارة من الأبعاد الوجدانية والتاريخية التي تعزز التبادلات والتعاون عبر مضيق تايوان، حيث حرص الوفد على تقديم التحية لروح الرائد الرائد العظيم للثورة الديمقراطية في الصين سون يات صن، سواء عند نصبه التذكاري في بكين أو ضريحه في نانجينغ، تأكيداً على الجذور التاريخية المشتركة.
وشملت الجولة أيضاً معالم ثقافية بارزة مثل المركز الوطني للفنون المسرحية ومتحف القصر، لتمتزج الأصالة بالحداثة من خلال زيارة ميناء يانغشان الضخم ومعهد شانغهاي لتصميم وأبحاث الطائرات التابع لشركة «كوماك»، حيث تفقد الوفد طائرة الركاب الصينية المطورة محلياً «سي 919».
لقاء شي جين بينغ وزعيمة المعارضة
كما استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ رئيسة أكبر حزب معارض في تايوان، تشنغ لي وون، خلال زيارتها الرسمية للصين ، لمناقشة مستقبل العلاقات بين الجانبين.
وشدد شي خلال هذا اللقاء على تمسك بكين بمبدأ الوحدة الوطنية، موضحاً أن الموقف الصيني ثابت ولا يقبل المساومة وإن الصين "لن تتهاون إطلاقاً" في مسألة استعادة الجزيرة التي تعدها بكين جزءاً من أراضيها.
ومن جانبها، وصفت تشنغ لي وون زيارتها إلى الصين بأنها مهمة سلام تهدف في المقام الأول إلى تخفيف حدة التوتر المتصاعد وضمان الاستقرار والسلام بين الصين وتايوان.
وأعربت رئيسة حزب الكومينتانغ عن تطلعها لتعزيز التعاون المؤسسي بين حزبها والحزب الشيوعي الصيني بهدف إرساء قواعد السلام الدائم، مؤكدة أن الحوار المتبادل يظل ممكناً ومتاحاً بشرط الاعتراف بتوافق عام 1992 ومعارضة ما يسمى باستقلال تايوان.








0 تعليق