كريم خان.. حملة إقالتي «ممنهجة» والهدف تعطيل مذكرات اعتقال قادة إسرائيل

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كريم خان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يقف اليوم وحيدا في مواجهة إحدى أكثر العواصف السياسية والقانونية شراسة في تاريخ القضاء الدولي المعاصر، حيث يجد نفسه محاصرا بين مطرقة الاتهامات الأخلاقية المسيسة وسندان الملاحقة الاستخباراتية من قوى عظمى تسعى لتقويض نزاهته المهنية، مما دفع المحكمة إلى حافة الهاوية في ظل تصاعد التوترات الناجمة عن تحقيقاته الجريئة في ملفات جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية.

​حسب تقرير مفصل نشره موقع ميدل إيست آي البريطاني، فإن المدعي العام كشف بمرارة عن تعرضه لعمليات مراقبة لصيقة ومعقدة نفذتها أجهزة الاستخبارات الروسية والإسرائيلية على حد سواء، في محاولة يائسة لاختراق خصوصيته والعثور على أي هفوات يمكن استخدامها كأوراق ضغط لثنيه عن مواصلة مساره القانوني الصارم ضد قادة ومسؤولين يواجهون تهما بارتكاب فظائع ضد المدنيين العزل في مناطق نزاع ملتهبة.

​ويرى المسؤول الدولي أن هذه التحركات الاستخباراتية لم تكن مجرد إجراءات احترازية بل هي جزء من عملية صُممت خصيصا للإطاحة به من منصبه الرفيع وتشويه سمعته أمام المجتمع الدولي، حيث أكد أنه أبلغ السلطات المختصة بهذه التجاوزات الخطيرة التي تضرب عرض الحائط بكافة الحصانات الدبلوماسية والقانونية التي من المفترض أن يتمتع بها قضاة ومسؤولو المحكمة الدولية أثناء أداء مهامهم الرسمية والحساسة.

حملة الترهيب الممنهجة تحت مجهر الاستخبارات

كريم خان أوضح في حديثه الصحفي أن العالم يواجه الآن خيارا وجوديا فاصلا بين سيادة القانون الدولي وبين الرضوخ لمنطق القوة الغاشمة التي تمارسها الدول الكبرى لحماية مصالحها السياسية، مشيرا إلى أن حملة الترهيب والضغط التي يتعرض لها تعد غير عادية بكل المقاييس القانونية، وتهدف بشكل مباشر إلى منعه من استكمال التحقيقات المتعلقة بإصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

​وتشير التقارير إلى أن المدعي العام يعيش تحت وطأة ضغوط سياسية مكثفة مارستها عواصم كبرى مثل واشنطن ولندن منذ شهر أبريل من العام الماضي بهدف عرقلة الإجراءات القانونية تجاه المسؤولين الإسرائيليين، حيث تزامنت هذه الضغوط مع ظهور مزاعم تتعلق بسوء سلوك جنسي نفاها بشدة واعتبرها جزءا لا يتجزأ من خطة الإقصاء التي تُحاك ضده في الغرف المغلقة بعيدا عن معايير الشفافية المطلوبة في مثل هذه القضايا.

​ويؤكد خان أن الملاحقة الاستخباراتية تزامنت مع ذروة التحقيقات في حرب الإبادة بقطاع غزة وأنشطة الاستيطان غير القانونية في الضفة الغربية، مما يثبت وجود ترابط وثيق بين ممارسة المهنة القضائية وبين محاولات الاغتيال المعنوي التي تستهدف القيادات الأممية، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن تصبح هذه الأساليب الاستخباراتية وسيلة معتمدة لإقصاء أي مسؤول يجرؤ على تحدي إرادة القوى الفاعلة في المشهد السياسي والعسكري العالمي.

كواليس الصراع الداخلي في أروقة لاهاي

كريم خان وجه اتهامات مباشرة وصريحة لأعضاء في مكتب جمعية الدول الأطراف بالمحكمة الجنائية الدولية بالمشاركة في حملة خطيرة ومتحيزة ضده بهدف إقصائه من المشهد، متهما إياهم بتقويض المبادئ القانونية الأساسية وتجاهل نتائج التحقيقات المستقلة التي أجرتها الأمم المتحدة والتي انتهت إلى عدم وجود أي أدلة حقيقية تثبت تورطه في أي مخالفات مسلكية أو أخلاقية طوال فترة خدمته الطويلة في السلك القضائي.

​واستنكر المدعي العام بشدة الطريقة التي تم بها التعامل مع الشكوى المقدمة ضده، حيث تم الكشف عن هويته لوسائل الإعلام العالمية دون أي مراعاة لحقه في الخصوصية أو الحماية الإدارية، وهو إجراء استثنائي لم يطبق على مسؤولين آخرين واجهوا اتهامات مماثلة في السابق، مما يعزز فرضية وجود نية مبيتة لتحويل القضية الإدارية إلى فضيحة سياسية عامة تهدف إلى حرق أوراقه القانونية ومنعه من ممارسة مهامه.

​وكشف المسؤول الدولي عن قيام أحد نائبي رئيس جمعية الدول الأطراف بعقد اجتماعات سرية مع مقدمة الشكوى دون أي اعتبارات للإجراءات القانونية المتبعة، مما دفعه للمطالبة الرسمية باستبعاد ثلاثة من أعضاء المكتب من العملية التي ستقرر مصيره المهني، وذلك بسبب تورطهم الواضح في ممارسات تنم عن تحيز مسبق وعدم قدرة على اتخاذ قرارات محايدة في ملف يمس استقلالية المحكمة الجنائية الدولية ومستقبل العدالة العالمية.

مذكرات الاعتقال وتكلفة الصمود أمام الكبار

كريم خان يرى أن الضغوط المتصاعدة ضده بلغت ذروتها عقب صدور مذكرات الاعتقال التاريخية في نوفمبر من عام ألفين وأربعة وعشرين بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وهي الخطوة التي زلزلت الأركان السياسية في العديد من العواصم الغربية الحليفة لإسرائيل، مما جعل من إقالته هدفا استراتيجيا لتلك القوى التي تسعى لتعطيل مفعول هذه المذكرات القانونية ومنع تنفيذها على أرض الواقع عبر خلق أزمة شرعية حول شخص المدعي العام.

​الحملة المستمرة ضد المسؤول الأممي دفعته إلى الخضوع لإجازة مفتوحة قسرية منذ نحو عام بانتظار نتائج تحقيقات إضافية، وهو ما يراه مراقبون محاولة لتجميد نشاط المحكمة في ملفات حساسة قد تؤدي إلى ملاحقة مسؤولين من دول كبرى، حيث يتم استغلال الثغرات الإدارية والإجراءات التأديبية لتعطيل العدالة الدولية وفرض نوع من الرقابة السياسية على قرارات المدعي العام الذي يفترض أن يكون مستقلا تماما عن أي تأثيرات خارجية.

​وتؤكد المصادر المطلعة أن إجراءات تأديبية بدأت بالفعل في شهر أبريل الماضي عقب تصويت أُجري داخل المحكمة بناء على تقارير تتناول اتهامات سوء السلوك، وهو ما اعتبره خان سابقة خطيرة تسمح بإقصاء المسؤولين المنتخبين عبر بوابة الضغوط السياسية المغلفة بالقانون، محذرا من أن هذا النهج سيؤدي حتما إلى تدمير ثقة الضحايا في قدرة المحكمة الجنائية الدولية على حمايتهم من بطش القوى التي تملك النفوذ والمال والسلطة.

المستقبل المجهول لسيادة القانون الدولي

كريم خان يحذر المجتمع الدولي من أن سقوط استقلالية المدعي العام يعني بالضرورة سقوط منظومة العدالة الجنائية الدولية برمتها وتحولها إلى أداة في يد الأقوياء، حيث أن المحكمة دخلت الآن في منطقة مجهولة لم يسبق لها مثيل، تهدد بتقويض كل الإنجازات التي تحققت في مجال ملاحقة مجرمي الحرب وضمان عدم إفلاتهم من العقاب مهما بلغت مناصبهم أو حظوا بدعم من دول تمتلك حق النقض أو النفوذ الاستخباراتي الكبير.

​إن المعركة التي يخوضها المدعي العام اليوم ليست معركة شخصية للدفاع عن منصبه بل هي معركة من أجل بقاء المبادئ التي تأسست عليها المحكمة في مواجهة محاولات الترهيب والضغط، حيث يبقى السؤال معلقا حول قدرة الدول الأطراف على حماية مسؤوليها من التدخلات الخارجية وضمان استمرار التحقيقات في جرائم الحرب والإبادة الجماعية دون خوف من الملاحقة الاستخباراتية أو التشويه الإعلامي الممنهج الذي تمارسه القوى المتضررة من قرارات المحكمة.

​ويبقى الترقب سيد الموقف في الأروقة الدبلوماسية الدولية انتظاراً لما ستسفر عنه الشهور القادمة من نتائج بشأن التحقيقات والمواجهات القانونية، في ظل إصرار خان على مواجهة هذه الحملة الشرسة والتمسك بحقه في الدفاع عن نزاهته المهنية، مؤكدا أن التاريخ سيحكم على هذه المرحلة كاختبار حقيقي لمدى التزام العالم بوعود العدالة التي قطعتها الإنسانية على نفسها بعد ويلات الحروب الكبرى التي شهدها القرن الماضي والقرن الحالي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق