محليات
2

الدوحة – موقع الشرق
د.عبدالرحمن الهزاع: الدقة والمصداقية ركيزتا التأثير الإعلامي
الإعلامي المعاصر يحتاج إلى مهارات تتجاوز الكتابة والتحرير
الذكاء الاصطناعي فرصة مهمة لتطوير الأداء الإعلامي
تعدد المنصات غيّر قواعد صناعة الرسالة الإعلامية
إعلام المستقبل يقوم على المعرفة والتقنية والتفكير النقدي

نظّم المركز القطري للصحافة ندوة متخصصة بعنوان «صناعة الرسائل الإعلامية في العصر الرقمي»، قدّمها سعادة الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز الهزاع، المدير العام لجهاز إذاعة وتلفزيون الخليج لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
أقيمت الندوة بقاعة الأستاذ "ناصر بن محمد العثمان" بمقر المركز، وبحضور عدد من مسؤولي المؤسسة القطرية للإعلام، ونخبة من الإعلاميين والأكاديميين وصنّاع المحتوى والمهتمين بالشأن الإعلامي، وأدارها الإعلامي طارق العجي، مذيع تلفزيون قطر.
وتناولت الندوة أبرز التحولات التي شهدتها صناعة الرسالة الإعلامية في ظل التطور التقني المتسارع، وتعدد المنصات الرقمية، وتغيّر أنماط تلقي الجمهور للمحتوى الإعلامي، إضافةً إلى استعراض أبرز المهارات المطلوبة للإعلاميين في المرحلة المقبلة، والآليات الكفيلة بتعزيز تأثير الرسائل الإعلامية والحفاظ على مصداقيتها في البيئة الرقمية.
وأكد الدكتور عبدالرحمن الهزاع في مستهل الندوة أن الرسالة الإعلامية الناجحة في العصر الرقمي لم تعد تعتمد على النشر وحده، بل أصبحت تقاس بقدرتها على إحداث التأثير، وبناء الثقة، والوصول إلى الجمهور المستهدف باللغة المناسبة والأسلوب الملائم وعبر المنصة الأكثر فاعلية. وأوضح أن التحولات التقنية المتلاحقة فرضت واقعاً جديداً على المؤسسات الإعلامية، يستوجب تطوير أدوات العمل الإعلامي بما يتناسب مع متطلبات العصر وتوقعات الجمهور.
وأشار إلى أن الرسالة الإعلامية المؤثرة تقوم على مجموعة من الخصائص الأساسية، في مقدمتها الوضوح والدقة والمصداقية والموضوعية والجاذبية، إلى جانب مراعاة طبيعة الجمهور المستهدف وحسن اختيار توقيت النشر. وأضاف أن عامل الوقت أصبح من العناصر المؤثرة في نجاح الرسالة الإعلامية، إذ إن التأخر في إيصال المعلومة قد يقلل من تأثيرها، ويحد من فرص التفاعل معها.

وضوح الرسالة
وأوضح د.عبدالرحمن الهزاع أن وضوح الرسالة لا يعني تبسيطها بصورة تخل بمضمونها أو قيمتها المهنية، وإنما تقديمها بأسلوب مباشر ومفهوم يساعد الجمهور على استيعابها دون تعقيد.
وشدد على أن الدقة والمصداقية تمثلان الأساس الذي يقوم عليه العمل الإعلامي، خاصة في بيئة رقمية تتدفق فيها المعلومات بصورة متسارعة، وتنتشر فيها الأخبار غير الموثوقة والشائعات بسهولة كبيرة.
وتطرق الدكتور الهزاع إلى أهمية تحديد الجمهور المستهدف قبل إنتاج الرسالة الإعلامية، موضحاً أن معرفة خصائص الجمهور واهتماماته تساعد الإعلامي على اختيار المحتوى المناسب واللغة الأقرب إلى المتلقي، فضلاً عن تحديد المنصة الإعلامية الأكثر قدرة على تحقيق التأثير المطلوب. وأشار إلى أن الجمهور لم يعد كتلة واحدة يمكن مخاطبتها بالأسلوب ذاته، بل أصبح جمهوراً متنوعاً تختلف اهتماماته واحتياجاته وطرق تفاعله مع المحتوى تبعاً للفئات العمرية والثقافية والتعليمية والاجتماعية.
وأضاف أن نجاح المؤسسات الإعلامية في الوصول إلى جمهورها يرتبط بقدرتها على فهم هذا التنوع والتعامل معه بوعي مهني، مؤكداً أن بناء الثقة يتحقق من خلال احترام عقل المتلقي وتقديم محتوى يلامس اهتماماته ويستجيب لاحتياجاته، بعيداً عن المبالغة أو التضليل أو الاستهانة بقدرته على التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى السطحي.
وفي حديثه عن آليات التأثير في الجمهور، أوضح الدكتور الهزاع أن الرسالة الإعلامية الفاعلة تجمع بين الأبعاد المعرفية والعاطفية والسلوكية. فالتأثير المعرفي يتحقق من خلال تقديم المعلومات الدقيقة والحقائق والأرقام والشواهد الموثوقة التي تساعد الجمهور على تكوين فهم صحيح للقضايا المطروحة، بينما يسهم التأثير العاطفي في تعزيز ارتباط المتلقي بالرسالة من خلال القصص الإنسانية والصور المؤثرة والشهادات الواقعية.
قدوات مؤثرة
ونوه إلى أن بعض الرسائل الإعلامية تستهدف أيضاً إحداث تغيير سلوكي أو تعزيز سلوكيات إيجابية لدى الجمهور، وهو ما يتطلب تقديم نماذج ناجحة وقدوات مؤثرة تعزز الرسائل المراد إيصالها. وأكد أن المصداقية تبقى العامل الحاسم في نجاح أي رسالة إعلامية؛ لأنها ترتبط بالشفافية والموضوعية والقدرة على تقديم المحتوى بصورة متوازنة.
وشدد على أن الجمهور في العصر الرقمي أصبح أكثر وعياً واطلاعاً من أي وقت مضى، ولم يعد متلقياً سلبياً للمحتوى الإعلامي، بل أصبح شريكاً فاعلاً في عملية الاتصال، من خلال التفاعل والتعليق وإعادة النشر والمشاركة في صناعة المحتوى، الأمر الذي يفرض على المؤسسات الإعلامية مزيداً من الدقة والشفافية في تعاملها مع المعلومات.
صناعة المحتوى
وفي محور صناعة المحتوى الإعلامي في العصر الرقمي، استعرض الدكتور الهزاع أبرز التحولات التي فرضتها البيئة الرقمية على القطاع الإعلامي، مشيراً إلى أن المنافسة لم تعد مقتصرة على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبحت مفتوحة أمام الأفراد والمؤثرين وصناع المحتوى الذين يمتلكون القدرة على الوصول إلى جماهير واسعة عبر المنصات الرقمية المختلفة.
وأوضح أن السرعة أصبحت من أبرز سمات العمل الإعلامي الحديث، حيث يمكن إنتاج المحتوى ونشره فور وقوع الحدث، دون الحاجة إلى الإمكانات الضخمة التي كانت مطلوبة في السابق. ومع ذلك، أكد أن السرعة لا ينبغي أن تكون على حساب الدقة والتحقق والالتزام بالمعايير المهنية؛ لأن الخطأ في البيئة الرقمية ينتشر بسرعة تفوق أحياناً سرعة تصحيحه.
وتناول الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، مبيناً أن هذه التقنيات أصبحت حاضرة في العديد من المهام، مثل كتابة الأخبار والنصوص، والترجمة، وتحليل البيانات، وتلخيص المعلومات، وإعداد التقارير الأولية. وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة مهمة لتطوير الأداء الإعلامي ورفع كفاءته، شريطة استخدامه في إطار من الوعي المهني والالتزام الأخلاقي.
ولفت إلى أن التطور الرقمي أسهم كذلك في تنوع أشكال المحتوى الإعلامي، فلم تعد الرسالة الإعلامية مقتصرة على النص الصحفي أو التقرير التقليدي، بل أصبحت تقدم عبر الفيديوهات القصيرة، والإنفوجرافيك، والبودكاست، والبث المباشر، والقصص الرقمية التفاعلية، وغيرها من الأشكال الحديثة التي تتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية وتفضيلات الجمهور.

متعدد المنصات
وأكد الدكتور الهزاع أهمية المحتوى متعدد المنصات باعتباره أحد أبرز ملامح الإعلام الحديث، موضحاً أن المؤسسات الإعلامية أصبحت مطالبة بإنتاج محتوى يمكن توزيعه عبر أكثر من منصة؛ بهدف الوصول إلى شرائح متنوعة من الجمهور، وتحقيق أعلى مستويات التفاعل والتأثير.
وأوضح أن نجاح هذا النوع من المحتوى يتطلب الحفاظ على وحدة الرسالة الإعلامية مع مراعاة خصوصية كل منصة وطبيعة جمهورها، فالجمهور الذي يتابع الفيديوهات القصيرة يختلف عن جمهور البودكاست، أو الصحافة المكتوبة، أو المواقع الإلكترونية، الأمر الذي يستدعي تنويع أساليب العرض مع الحفاظ على جوهر الرسالة ومضمونها الأساسي.
وأشار إلى أن التكامل بين المنصات المختلفة يعزز قوة الرسالة الإعلامية، ويزيد من فرص وصولها إلى شرائح أوسع من الجمهور، ويسهم في تعميق أثرها وتحقيق أهدافها الاتصالية بصورة أكثر فاعلية.
إعلام المستقبل
وفي محور «إعلام المستقبل»، أكد الدكتور الهزاع أن الإعلامي في المرحلة المقبلة يحتاج إلى منظومة متكاملة من المهارات المهنية والرقمية والفكرية، تمكنه من التعامل مع التحولات المتسارعة في بيئة الإعلام الحديثة. وأوضح أن المهارات المهنية الأساسية تبدأ من البحث والتحقق من المعلومات وجمعها من مصادر موثوقة، مروراً بكشف الشائعات والمعلومات المضللة، وصولاً إلى مهارات الكتابة والتحرير وصياغة الأخبار والتقارير والمقالات بأسلوب واضح وجذاب.
وشدد على أهمية مهارات الاتصال والتواصل، بما يشمل إجراء المقابلات والحوارات، والتحدث أمام الجمهور والكاميرا، وإدارة النقاشات الإعلامية، وبناء علاقات مهنية فعالة مع المصادر والجمهور.
وفيما يتعلق بالمهارات الرقمية، أوضح أن الإعلامي المعاصر يجب أن يمتلك القدرة على إنتاج المحتوى للمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وتوظيف النص والصوت والصورة والفيديو في بناء رسالة إعلامية متكاملة
ولفت إلى أهمية امتلاك مهارات الوسائط المتعددة، مثل التصوير الفوتوغرافي وتصوير الفيديو والمونتاج والتحرير الرقمي وتصميم الإنفوجرافيك وإنتاج البودكاست والمحتوى الصوتي.
وأضاف أن التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح من المهارات الضرورية للإعلاميين، سواء في مجالات البحث والتحرير، أو في الاستفادة من التحليلات الذكية لفهم سلوك الجمهور واهتماماته، إلى جانب توظيف تقنيات الترجمة والتفريغ والتلخيص الآلي، مع ضرورة الإلمام بالجوانب الأخلاقية والقانونية المرتبطة باستخدام هذه الأدوات.
مهارات فكرية
وأكد الدكتور الهزاع أن الإعلامي لا يحتاج إلى المهارات التقنية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى مهارات فكرية وشخصية متقدمة، وفي مقدمتها التفكير النقدي والقدرة على تقييم المعلومات بموضوعية، والتمييز بين الحقائق والآراء، واكتشاف المغالطات والتحيزات. وأشار إلى أن الإبداع والابتكار يمثلان عنصرين أساسيين في تطوير الرسالة الإعلامية، من خلال ابتكار أساليب جديدة في عرض المحتوى وتقديم الأفكار بصورة غير تقليدية، مع توظيف التقنيات الحديثة لخدمة المضمون الإعلامي لا على حسابه.
وتناولت الندوة أيضاً المسؤولية الأخلاقية والمهنية في العمل الإعلامي، حيث أكد الدكتور الهزاع أن الالتزام بأخلاقيات المهنة يمثل حجر الزاوية في الحفاظ على ثقة الجمهور وسمعة المؤسسات الإعلامية. وأوضح أن المسؤولية المهنية تبدأ من التحقق من المعلومات قبل نشرها، والاعتماد على مصادر موثوقة ومتنوعة، والفصل بين الخبر والرأي، وتصحيح الأخطاء بشفافية عند اكتشافها.
ونوه إلى أن الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسة اليومية التي يلمسها الجمهور في المحتوى الإعلامي، من خلال الدقة والصدق والموضوعية واحترام عقل المتلقي والابتعاد عن التضليل أو المبالغة أو الانتقائية في عرض المعلومات. وأضاف أن المسؤولية المهنية تزداد أهمية في العصر الرقمي نظراً إلى سرعة انتشار المحتوى، واتساع دائرة تأثيره، وصعوبة احتواء الأخطاء بعد تداولها على نطاق واسع.
واستعرض الدكتور عبدالرحمن الهزاع جانباً من تجربته المهنية والأكاديمية الممتدة، متحدثاً عن عدد من الدروس التي اكتسبها خلال مسيرته، ومن أبرزها أن التطوير ضرورة مستمرة حتى وإن قوبل أحياناً بالاعتراض، وأن الكلمة مسؤولية مؤثرة، وأن مصلحة العمل يجب أن تكون لها الأولوية، إلى جانب أهمية البحث عن البدائل المناسبة واتخاذ القرارات التي تخدم أهداف المؤسسة ورسالتها.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
















0 تعليق