في اليوم العالمي للعمل الإنساني.. دعوة أممية للتحول من التضامن إلى المساءلة ومحاسبة المعتدين على العاملين في الميدان

الشرق السعودية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

محليات

20

18 أغسطس 2026 , 10:43ص

الدوحة - قنا

 تحت عنوان "انتهى زمن القلق، وآن أوان فرض عواقب للانتهاكات"، تحتفل دول العالم في التاسع عشر من أغسطس من كل عام باليوم العالمي للعمل الإنساني، بوصفه مناسبة أممية لتكريم العاملين في المجال الإنساني، وإظهار التضامن مع الأشخاص المتضررين من الأزمات، وتجديد الالتزام بحماية المدنيين والعاملين الإنسانيين والطبيين. وفي هذه المناسبة الدولية لا يحتفل العالم بمهنة بقدر ما يقف أمام تساؤل أخلاقي ملح هو كيف يمكن إنقاذ الإنسان إذا أصبح من يمد إليه يد النجاة هدفا هو الآخر؟

ويعود اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام في لحظة تبدو فيها خريطة الأزمات أكثر اتساعا، والمساحة الآمنة للعمل الإنساني أكثر ضيقا، فمن مناطق النزاع إلى المجتمعات المنكوبة بالكوارث، يتحرك العاملون في المجال الإنساني حاملين الغذاء والدواء، ويديرون الملاجئ، ويعالجون الجرحى، ويوصلون المساعدة إلى أناس قد لا يعرف العالم أسماءهم.

وتتجاوز رسالة المناسبة هذا العام التكريم التقليدي، فالأمم المتحدة تضع حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني على رأس أولوياتها، فالإدانة وحدها لم تعد كافية أمام الاعتداءات التي يتعرض لها العاملون الإنسانيون، وعرقلة وصول المساعدات إلى المحتاجين.

وتقف خلف هذه المناسبة ذاكرة دامية لا تزال حاضرة بالأذهان، ففي 19 أغسطس 2003، استهدف تفجير مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد، مما أسفر عن مقتل 22 شخصا، بينهم الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق سيرجيو فييرا دي ميلو، وبعد خمس سنوات، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا خصص التاسع عشر من أغسطس يوما عالميا للعمل الإنساني، وهكذا تحول تاريخ مأساة بغداد إلى موعد عالمي لتكريم من فقدوا حياتهم في خدمة الآخرين، والدفاع عن الذين يواصلون المهمة.

وتحتفل دولة قطر باليوم العالمي للعمل الإنساني، وقد باتت من الدول الرائدة بالعالم في مجال العمل الإنساني والإغاثي، حيث ترفرف رايات العمل الخيري القطرية في الساحات والمجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر والكوارث والفقر في مختلف أنحاء العالم، وتقدم دولة قطر مساعدات بمئات الملايين من الدولارات سنويا عبر مؤسسات مثل صندوق قطر للتنمية وقطر الخيرية والهلال الأحمر القطري، مستهدفة دعم المجتمعات المتضررة من الأزمات والنزاعات في أكثر من 100 دولة حول العالم.

وتسهم هذه المؤسسات بشكل فاعل في تخفيف المعاناة الإنسانية والاستثمار في التعليم، والتمكين الاقتصادي، ودعم الشرائح الفقيرة بمشروعات إنتاجية تسهم في تنمية مجتمعاتهم، وتوفر لهم فرص عمل، وتعد قطر من أكبر الدول المانحة والداعمة للدول الأقل نموا، وقد استطاعت جهودها أن تصنع التغيير في المجتمعات الهشة والمهمشة حول العالم، من خلال مشاريع شملت مختلف النواحي الإنسانية، سواء كانت تنموية أو صحية أو تعليمية أو اجتماعية أو غيرها.

وقد قامت هيئة تنظيم الأعمال الخيرية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة في إعداد استراتيجية العمل الخيري والإنساني في دولة قطر للفترة 2025 ـ 2030، وباشرت العمل على تنفيذها، وذلك انطلاقا من دورها المتمثل في العمل على تنمية ودعم وتشجيع الأعمال الخيرية والإنسانية والإشراف عليها ومراقبتها في إطار السياسة العامة لدولة قطر.

وتعد هذه الاستراتيجية الأولى من نوعها لقطاع العمل الخيري بدولة قطر بشقيه التنموي والإنساني، وتمت صياغة الاستراتيجية لتتوافق مع رؤية قطر الوطنية 2030 وتتكامل مع الاستراتيجيات القطاعية الأخرى، فضلا عن أنها تعبر عن جميع منظمات العمل الخيري في دولة قطر بشقيه الإنساني والتنموي بمختلف أشكالها التنظيمية.

وتهدف الاستراتيجية للوصول إلى قطاع خيري مهني ومرن يقدم أفضل الخدمات للمستفيدين داخل وخارج قطر، انسجاما مع رؤية دولة قطر 2030 وأولويات الاستراتيجيات الوطنية ذات الصلة، وذلك عبر خدمة المجتمع في قطر من خلال الحفاظ على تراثه، وتعزيز تماسكه، وتنمية قيمه التضامنية، وكذلك الإسهام في تنفيذ مبادرات إنمائية وإنسانية مستديمة بما يعكس روح التضامن المجتمعي القطري، ويعزز الدور الإقليمي والدولي لدولة قطر، بالإضافة إلى الانخراط في جهود تعزيز السلام والوئام والتضامن الدولي ودعم ومناصرة قضايا المحتاجين عبر العالم.

وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 380 عاملا في المجال الإنساني قتلوا خلال عام 2024 وحده، بينما أصيب أو اختطف أو احتجز مئات آخرون، وتؤكد أن الأخطر هو أن استهداف عمال الإغاثة لا ينتهي عند الضحية نفسها؛ فعندما يتوقف فريق عن العمل أو تغلق منشأة أو يتعذر عبور قافلة، قد تنقطع خلف ذلك وجبات غذاء وعلاجات طبية وخدمات حماية ومأوى عن مجتمعات كاملة

وبحلول نهاية مايو 2026، كان أكثر من 252 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية والحماية، أي بزيادة قدرها 13 مليونا على العدد المسجل عند تدشين الحملة العامة عن العمل الإنساني العالمي لعام 2026، وبلغت الاحتياجات التمويلية للخطط الإنسانية أكثر من ثلاثة وثلاثين مليار دولار أمريكي، لم يجمع منها سوى 8.21 مليارات دولار، أي 24.4 في المائة من المبلغ المطلوب، وسجلت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 37,000 مدني في 20 نزاعا مسلحا خلال عام 2025، أي ما يقارب وفاة مدني مسجلة كل 14 دقيقة. وهذا العدد حد أدنى موثق ولا يعكس الحصيلة الكاملة.

وحول السبيل لتطبيق وتفعيل احترام القانون الدولي والمبادئ الإنسانية في ساحات الصراع والأزمات، قال الدكتور عبد الله بندر العتيبي، أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر، إن المشكلة اليوم ليست في نقص القواعد القانونية، بل في ضعف كلفة انتهاكها، مؤكدا في حديث مع وكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن احترام القانون الدولي يحتاج إلى الانتقال من الإدانة إلى المساءلة، عبر التحقيق المستقل، وتوثيق الانتهاكات، وتفعيل الآليات القضائية، وفرض كلفة سياسية وقانونية على من يستهدف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، فالقانون الذي لا تقترن مخالفته بعواقب يفقد تدريجيا قدرته على الردع.

وأضاف الدكتور العتيبي أن تزايد الانتهاكات يعود إلى اتساع الفجوة بين وجود القانون والقدرة على إنفاذه، فعندما ترى أطراف الصراع أن الانتهاكات السابقة لم تؤد إلى محاسبة حقيقية، تتراجع قوة الردع، وقد يتحول الاستثناء إلى ممارسة متكررة؛ لذلك فإن أزمة القانون الدولي الإنساني اليوم هي، بدرجة كبيرة، أزمة تنفيذ ومساءلة وليست أزمة مبادئ وقواعد.

وردا على سؤال حول الأسباب التي فتحت الأبواب والمجال أمام كثير من الأطراف للإمعان في جرأتها على القانون والمبادئ الدولية والعاملين في المجال الإنساني، أوضح الدكتور العتيبي أن الأمر الذي فتح المجال أمام هذا التجرؤ هو تراكم حالات الإفلات من العقاب، وانتقائية تطبيق القانون، وتسييس بعض المؤسسات الدولية، إضافة إلى طبيعة الصراعات المعاصرة التي تضم دولا وجماعات مسلحة وفاعلين من دون الدولة، وتكمن الخطورة في أن استهداف العاملين في المجال الإنساني لا يهدد الأفراد فقط، بل البنية التي تسمح بوصول المساعدات إلى المدنيين.

وأكد الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر أن الحلقة المفقودة تتمثل في تحويل المبادئ الإنسانية إلى ترتيبات تنفيذية قابلة للعمل أثناء الصراع، وهذا يتطلب ضمانات واضحة للوصول الإنساني، وممرات وآليات تنسيق آمنة، واتصالات مباشرة بين الأطراف والوسطاء والمنظمات الإنسانية، إلى جانب آليات للمراقبة والتحقق والمساءلة، فالعمل الإنساني يحتاج إلى حماية سياسية وأمنية وقانونية، وليس فقط إلى التمويل وحسن النوايا.

ولفت الدكتور العتيبي، في ختام حديثه مع /قنا/، إلى أن التكتلات الإقليمية والدول الفاعلة إنسانيا تستطيع سد جزء من الفراغ عندما تتعطل المؤسسات الدولية، خصوصا لأنها غالبا أكثر قربا من أطراف الصراع وقدرة على التواصل معها، ويمكنها إنشاء آليات إقليمية للرصد والتحقيق، وتنسيق الممرات الإنسانية، وربط التعاون والمساعدات باحترام القانون الإنساني، ودعم الوساطة والمساءلة، مشددا على أن المطلوب هو أن تنتقل الأقاليم من دور الاستجابة للأزمات إلى بناء منظومات إقليمية لحماية العمل الإنساني ومنع استهدافه.

وفي رسالة بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا اليوم بأنه مناسبة تواجه فيها الأسرة الدولية حقيقة مروعة، حيث أصبحت خدمة الآخرين أكثر خطورة من أي وقت مضى، مشيرا إلى مقتل أكثر من ألف عامل في المجال الإنساني خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما نجا عدد آخر لا يحصى بأعجوبة بعد التعرض لإطلاق النار، أو القصف بالمدفعية، أو القصف الجوي، أو الاختطاف، أو الاغتصاب، بينما تستهدف المدارس والمستشفيات بالقصف.

وأكد الأمين العام أن الهجمات التي تستهدف العاملين في المجال الإنساني غير قانونية، وذات عواقب مدمرة، سواء للأسر التي تكابد من أجل البقاء على قيد الحياة، أو للأطفال الذين ينتظرون الطعام، أو للمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طارئة، ونبه أن العالم تعهد بالوفاء بالتزاماته ويجب عليه الآن أن يتحرك من أجل احترام قواعد الحرب، وضمان الوصول الآمن ومساءلة الجناة، وتوفير الموارد الكافية، فالعاملون في المجال الإنساني يهبون للدفاع عن المحتاجين، ويجب على الأسرة الدولية أن تهب للدفاع عنهم.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق