حيوية المشهد الثقافي مرهونة ببيئة محفزة وحضور خارجي أوسع

الشرق السعودية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ثقافة وفنون

20

مبدعون يرسمون لـ الشرق ملامح الموسم الجديد 2-2..
25 أغسطس 2026 , 07:00ص

الفعاليات النوعية تستقطب الجمهور

❖ طه عبدالرحمن

مع ترقب انطلاق الموسم الثقافي الجديد، تتجه تطلعات المثقفين نحو مشهد أكثر فاعلية واستدامة، مؤكدين أن حيوية المشهد لا يمكن بحال أن تقاس بكثافة الفعاليات، وإنما بما تنتجه من أثر معرفي وإبداعي ممتد. 

وفي الجزء الثاني من استطلاع "الشرق" لرصد تطلعات المثقفين حول الموسم الثقافي الجديد، تلتقي آراء عدد من الكُتّاب والمبدعين عند أهمية تطوير بيئة العمل الثقافي، وتعزيز دعم التأليف والنشر، وتمكين المواهب الشابة والمبادرات المستقلة، وتوسيع حضور المثقف في صناعة الخطط والبرامج، إلى جانب صون التراث وتوظيفه في إبداعات معاصرة، ومواكبة التحول الرقمي والانفتاح على التجارب الثقافية العالمية. وبينما تتعدد الرؤى بشأن آليات التطوير، يجمع المثقفون على ضرورة الانتقال من كثافة النشاط إلى جودة الإنتاج واستدامة أثره وقدرته على الوصول إلى المجتمع والعالم.

   - د. زكية مال الله: تعزيز الهوية وتكثيف الإنتاج النوعي والمستدام

تبدي د. زكية مال الله العيسى، الحائزة على جائزة الدولة التشجيعية في مجال الشعر في دورتها السادسة، رغبة المثقفين في تطلعهم  إلى حدوث نقلة نوعية تعزز حضور الهوية الوطنية، وتفعل دور الفن والأدب للارتقاء بالمجتمع، ودعم التطلعات المأمولة لدعم حركة النشر والتأليف ودور النشر المحلية، وتسهيل وصول الإصدارات القطرية إلى خارج قطر، ومد الجسور بين الأجيال الشابة، والمؤسسات الثقافية الحكومية والخاصة. 

وتعرب عن أملها في اكتشاف المواهب الشابة بالمجالات الإبداعية، وتأهيلهم للقيادات المستدامة، وإقامة المعارض الفنية والمسرحيات والأمسيات الشعرية بشكل دائم ومنتظم وتشجيع الحركة النقدية لمواكبة الإنتاج الأدبي والفني المحلي وتقييمه.  وتشدد على ضرورة إشراك المثقفين في صياغة الخطط والفعاليات الثقافية، وإتاحة مساحات أكبر للمبادرات الثقافية الخاصة لتعزيز التنوع ودعم الاستقلالية، والمحافظة على الحراك الثقافي المستدام، وتوسيع رقعة المبادرات لدى الملتقى القطري للفنون ودوره كجسر للرؤى وإقامة الورش والجلسات ومواكبة الحداثة في وسائل التواصل الاجتماعي، والحفاظ على التراث الثقافي المادي وغير المادي، ودعم الفنون البصرية وصناعة النشر والترجمة والتحول الرقمي للمحتوى الثقافي، والتواصل مع الثقافات العالمية، ونشر الإبداع القطري خارج البلاد.

وتقول: من الضرورة الانتقال مع كثافة الفعاليات إلى الإنتاج النوعي والمستدام، والتركيز على القيمة، وليس العدد، بتقييم الأنشطة بالاستناد إلى أثرها على المجتمع، وتمكين المبدعين المحليين من الظهور بواسطة المنح والبرامج التي تدعم صناعة المحتوى وتطوير الأعمال الفنية لتكون أكثر أصالة وعمقاً، وإشراك المجتمع المحلي في تصميم البرامج الثقافية، وتحديث الورش والمكتبات ومراكز التدريب وتنويع مصادر التمويل عبر الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وابتكار نماذج اقتصادية متطورة لدعم الفنون وربطها بالهوية والتنمية المستدامة.

وتتابع د. زكية مال الله: إن الثقافة شجرة باسقة متعددة الفروع والأغصان، ولابد من الرعاية والسقاية الدائمة لتبقى حاضرة طوال المواسم، ويستظل بأوراقها المثقفون، ويستنفعون بما يجنون من ثمارها وفيئها.

  - فوزية أحمد: التجديد يبدأ من الشباب وإحياء التراث بقوالب معاصرة 

تشدد الكاتبة فوزية أحمد، على ضرورة بناء ثقافة حديثة متوازنة ومتطورة من عمق الجذور، تجمع بين الأصالة والانفتاح المتوازن الواعي على العالم في ضوء المحافظة على القيمة الإسلامية ومكانة الأسرة القطرية، لافتة إلى أهمية تعزيز الصالونات الثقافية ودعم الحوار الثقافي والفكري الناضج بطريقة إيجابية للتقدم والمعرفة وفتح فرص المشاركة خروجاً عن التكرار المستهلك والتركيز على الشباب المبدعين في مجالات الأدب والفنون.

وتقول: إن المشهد الثقافي يحتاج قدرة تقنيّة حديثة تنعش الابتكار بما يليق بالزمن والجيل المقبل عن طريق مشاركتهم في هذا المشهد ومشاهدة ابداعاتهم على أرض الواقع بعيداً عن تكرار المشاهد التقليديّة، ليبلغ إبداعهم شأناً عالميّاً بواقع محلي وخيال معقول لا ينفصل عنه، شريطة الاستعانة بخبراء الثقافة والتاريخ واللهجة والفنون والحرف التقليدية، ليكون العمل النهائي ذا أصالة حديثة بطابع الهوية الوطنية، معبّرة عن قضايا الواقع ومناقشة تحدياته.

وتتابع: إن المشهد الثقافي يحتاج إلى بيئة حاضنة لصياغة الوعي والتعبير عن كواليس المجتمع، والتركيز على استثمار الثقافة الشعبية، بإعادة تقديم الحزاوي، والحكايات الشعبية، والأمثال، والأغاني والأهازيج، والألعاب، والعادات المحلية في قوالب معاصرة كالمسرح، والأفلام، والمنصات الرقمية، كونه مصدرا ملهما للتجارب التفاعليّة والإبداع المتجدد من خلال توثيقه وإعادة تقديمه بلغة معاصرة تحافظ على الهوية وتصل بشكل جميل الى الأجيال الجديدة، ويتّسع الأفق أمام الفئة الشبابية والفنانين والكتّاب الصاعدين ليخلق لهم المساحة والفرصة للتجربة والإبداع والإنتاج الثقافي.

وتؤكد أن إنتاج ثقافي نوعي ومستدام، يتطلب تغيير الممارسات الثقافية الروتينيّة المعتادة، أي أن الثقافة وكثرة الحضور يجب ألا تكون أسيرة الفعاليات والمهرجانات الدورية، ثم ينتهي الأثر بعد انتهائها، فالمشاريع الثقافية يجب ألا تتوقف، وتُمنح فرصا للاستمرارية والنمو المتواصل، لتتحول لمسار مستمر للإنتاجية والمعرفة، ويتحقق ذلك من خلال التمويل والتدريب والدعم والمنصات والمعارض والشراكات مع المدارس والجامعات والوزارات والمجتمع ومشاركة الجاليات.

وتقول الكاتبة فوزية أحمد: إن الأثر الحقيقي لأي مشروع ثقافي لا يقاس بالتغطيات الإعلامية والصور وعدد الحضور، بل بالمساحة الحقيقيّة للجمهور للمشاركة والتأثر كذلك بالمخرجات والتجارب والمعرفة والمهارات والنقاشات الهادفة والتي تترك أثرا فعّالا.

 - فاطمة المهندي: إنشاء مظلة للكُتّاب وإنتاج أعمال وطنية 

تعرب الكاتبة فاطمة أحمد المهندي، عن أملها في أن تكون هناك جهة تُعنى بالكتّاب؛ ويشمل ذلك إقامة ملتقى ثقافي بشكل دوري كل ثلاثة أشهر، اسوة بالمراكز المختلفة بالدولة ومن ضمنها مركز قطر التطوعي الذي يعنى بمجال التطوع.

وتقول: إن هناك العديد من ثقافات العالم تنتشر وتبرز بنشر أفلام وثائقية عن الحياة القديمة والحديثة وتطور الثقافة عبر العصور، وأتمنى أن يكون هناك جهة انتاجية حكومية قطرية لمثل هذه الافلام والمسرحيات الوطنية، وإن طُلب مني أن أكتب سيناريو تاريخيا فسأفعل ذلك دون تردد ، كون ذلك يصب في مصلحة الدولة.

وتتابع: إن الوصول الى انتاج ثقافي نوعي ومستدام يتطلب المصداقية في الطرح دون تدليس الحقائق او تجنب مناقشتها، فعندما أشاهد إنتاجا ثقافيا عن فترة الغوص فإن كل ما أراه هو تجمع الرجال في قوارب الصيد والنهامة بينما لا أرى دور النساء البارز في تلك الحقبة، واللاتي كن يفعلن الكثير في ذلك الوقت، فقد كن يساعدن الرجال في الترتيب لرحلة الصيد وتجهيز المؤونة ووضع بعض العلاجات الشعبية في السفن، ولم أر إنتاج أي روائي تاريخي أبرز دور النساء في فترة الصيد، وذلك يعد إجحافا بحق المرأة. وتلفت الكاتبة فاطمة المهندي إلى أهمية تجنب استخدام الذكاء الاصطناع في الحفاظ على الإنتاج الثقافي، فـ» المؤرخون على مر الزمن هم بشر وليسوا أجهزة ومن الصعب على جهاز أن ينتج عملا ثقافيا متميزا كالذي نشاهده أو نقرأه من الانتاج الثقافي العالمي».

 - محمد المري: تمكين المثقف وسط بيئة أكثر مرونة وانفتاحاً

يعرب الكاتب محمد بن سلعان المري، عن أمله في أن تتعامل وزارة الثقافة وأذرعها الثقافية مع مختلف الفاعلين في المشهد بمسافة واحدة، وأن تتسع رؤيتها لتشمل جميع مجالات الثقافة، لا أن يُختزل المشهد في أنشطة أو مجالات محددة تحظى بالأولوية، بينما تغيب مساحات ثقافية أخرى قادرة على تعزيز حضور قطر على الخريطة الثقافية العربية والدولية، فضلاً عن مراجعة بعض القوانين والسياسات والإجراءات القديمة التي لم تعد تواكب التحولات المتسارعة في صناعة الثقافة والنشر والإبداع، «فالثقافة تحتاج إلى بيئة مرنة ومحفزة؛ لأن تعقيد الإجراءات وتقييد المبادرات قد يؤديان، بدلاً من تنظيم الحراك الثقافي، إلى إضعافه أو دفعه إلى البحث عن مساحات أخرى». ويشدد الكاتب محمد بن سلعان المري، مؤسس ومدير دار نبراس للنشر، على ضرورة أن يكون المثقف القطري في مقدمة الاهتمام؛ لأنه الأقدر على تسجيل ذاكرة وطنه وحفظ إرثه وصناعة امتداده الثقافي، «وأن نرى مبدعين قطريين يتحولون إلى أسماء ومنارات تنطلق من قطر إلى العالم، وألا تكون المؤسسة الرسمية هي المنتج الوحيد للثقافة؛ فدورها الأساسي أن تهيئ البيئة، وتدعم وترعى وتفتح الأبواب، بينما يترك الإنتاج والإبداع للمثقفين والمبادرات والمؤسسات الثقافية المستقلة، دون الحاجة إلى تبادل الأدوار، بل إلى تكاملها». ويقول: عندما نقرأ تاريخ الحراك الثقافي في قطر والمنطقة، نجد أن الفترات الأكثر تأثيراً لم تُقَس بعدد الفعاليات، بل بما تركته من أثر بعد انتهاء مناسباتها، فالمؤسسة الثقافية الناجحة ليست مطالبة بإنتاج كل شيء بنفسها، وإنما بأن تكون داعماً وراعياً وممكّناً للإبداع بمختلف مجالاته، وأن تساعده على الوصول من قطر إلى العالم، وعندما تصبح كثرة الفعاليات هدفاً بحد ذاتها، لإثبات أن المؤسسة تعمل، فإننا نخلط بين النشاط والإنجاز، لأن المعيار، لايقاس بالكم، بل أثره ، وتأثيره المستدام.

- علي المحمود: دعم حركة التأليف واقتناء الكتب

يشدد الكاتب علي محمد يوسف المحمود على ضرورة استمرار دعم المبدعين، وتهيئة الطريق أمامهم بما يؤكد أن الجهة المسؤولة عن الثقافة تعمل بصورة جادة على تطوير مسيرة المثقفين، وتعزيز إنتاجهم في مختلف المجالات الثقافية.

ويقول إن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال إقامة اللقاءات الدورية مع المثقفين، وتشجيع الحوار معهم، والأخذ بما يطرحونه من أفكار ومقترحات، بما يسهم في تنمية عطائهم وإثراء إنتاجهم الأدبي، سواء في الرواية أو القصة أو الشعر بمختلف أشكاله واتجاهاته. كما يشدد على ضرورة وضع آلية واضحة للتأليف والنشر، تساعد على تسريع إنتاج المؤلفات، وتدعم الكاتب بالوصول بعملهم إلى القارئ، وأن تكون هناك آليات لاقتناء مؤلفات الكتاب من أصحابها وإتاحة هذه الإصدارات لتكون أكثر قرباً من القارئ. 

ويؤكد أن الساحة الثقافية بحاجة إلى رواية قطرية وعربية تصل إلى المهتمين بالقراءة، لتفتح المجال أمام تحويل بعض الأعمال الأدبية إلى أعمال درامية أو إبداعية في مجالات أخرى، بما يعزز حضور الكتاب ويمنح الإنتاج الأدبي فرصاً أوسع للوصول إلى الجمهور. ويرى الكاتب علي المحمود أن الوصول إلى إنتاج ثقافي مستدام يتطلب مزيداً من التلاحم بين الكتاب والمثقفين، وفتح المجال أمامهم لطرح أفكارهم ومناقشتها، وإطلاع المثقف على التجارب الأخرى، ومتابعة ما يلقى اهتمام القارئ، مؤكداً أن الثقافة لا ينبغي أن تكون جامدة أو منفصلة عن حركة الحياة، بل عليها أن تتفاعل مع التحولات الجديدة، ولا سيما في ظل التطور التكنولوجي.

أخبار ذات صلة

مساحة إعلانية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق