«جليب الشيوخ»... لم تكن مجرد منطقة سكنية عادية، بل اعتبرت واحدة من أكثر المناطق صداعاً للأجهزة الحكومية، واسماً عند سماعه يعكس أشكال وصور الإزعاج والعشوائية وليس منطقة عابرة في خريطة جغرافية الكويت الحديثة، لتكون على مر عقودٍ طويلة بقعة مشوهة تجسد تحولات من بداية حضارية وتوسع عمراني ومنظم إلى أوكار وتكدسات بشرية مختلطة وبؤرة للأنشطة المشبوهة.
وبالرغم من أن المنطقة تقع في محافظة الفروانية، وذات موقع استراتيجي محوري بالقرب من مطار الكويت الدولي، وعلى بعد كيلومترات من مناطق نموذجية وصناعية وحيوية، مما جعلها نقطة تقاطع دائم بين التوسع السكاني والعمراني والاقتصادي، فإن هذه المنطقة، التي وُلدت من رحم الحاجة إلى الماء في قلب الصحراء، مرت بمسار دراماتيكي معقد، حيث تحولت عبر العقود من ضاحية سكنية واعدة إلى إحدى كبرى المعضلات العمرانية والأمنية والخدمية في البلاد، قبل أن تبدأ الدولة، أخيراً، حراكاً حازماً لإعادة فرض الهيبة والتخطيط العمراني السليم، وتبقى بانتظار الشكل المستقبلي بعد اتخاذ قرارات الإزالة والهدم والإخلاء حلاً لانتشال المنطقة جذرياً.
3 سيناريوهات
وتتجه منطقة جليب الشيوخ في الآونة الأخيرة نحو طي صفحة العقود الماضية من العشوائية، بعد أن خطت الأجهزة الحكومية الخطوات الكبرى لإعادة تخطيط المنطقة بالكامل، لتتحول إلى نموذج حضاري وفق سيناريوهات محتملة للشكل المستقبلي للمنطقة التي كانت منكوبة، فسيتم البدء أولاً بمعالجة البنية التحتية الكاملة، ثم طرح خطة بنائها لتعاد كمنطقة سكنية وهو السيناريو الأول، أو تتحول إلى استثمارية وفق السيناريو الثاني، أو تكون بنظام السكن المختلط (استثماري وتجاري)، مثل الشكل الذي تم انتهاجه في مناطق اقتصادية، كالعبدلي الاقتصادية والوفرة الاقتصادية، وتشمل مرافق خدمية متطورة تليق بموقعها المحوري ومكانتها في العاصمة الاقتصادية للكويت، وحسب تصورات البلدية، فإنها تنتظر الرؤية الحكومية العامة بشأن المنطقة، لتبدأ وضع الخطة الكاملة لاستعمالات المنطقة وتعديل نسب البناء.
المنطقة تحولت تدريجياً إلى «بؤرة عشوائيات» خلال 2019 و2000
التدهور البيئي والأمني
مع بداية الألفية الجديدة، بدأت ملامح خلل هيكلي عميق تتشكل في الجليب، تحولت معها المنطقة تدريجياً إلى ما يُعرف بـ «بؤرة العشوائيات»، خلال الفترة الزمنية بين عامي 2019 و2000، إذ حدث تحول سكاني وديموغرافي جذري بعد هجر معظم المواطنين منازلهم في القطع السكنية القديمة، ليقوم غالبية المُلاك بتحويل «السكن الخاص» إلى مجمعات لتأجير العمالة بكثافات عالية جداً وغير مسيطر عليها، وتعدت طاقتها الاستيعابية، ونتج بعدها جملة من التعديات والبناء المخالف، وتفشت ظاهرة التقسيم العشوائي للمباني، وبناء أدوار إضافية بأساليب إنشائية غير آمنة ومخالفة لقوانين البناء والبلدية، وعلاوة على ذلك شهدت المنطقة ضغطاً هائلاً على البنية التحتية تسبب في طفح شبكات الصرف الصحي، وانقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، وتراكم النفايات الصلبة.
وطالما وجدت الكثافة السكانية، فلا بد أن تتبعها ظواهر أمنية وتجارية لتظهر في أزقة المنطقة أسواق موازية غير قانونية، مثل ما يعرف بـ «سوق الجمعة المصغر» أو «سوق الحرامية»، والمطاعم والمحامس والمخازن الورشية الناشطة بلا ترخيص، مما جعلها بيئة خصبة للمخالفين لقوانين الإقامة والعمل.
إخلاء 1200 منزل مخالف بالمرحلة الأولى خلال الحملة الأمنية الشاملة
تثمين 1545 عقاراً
ما بين عامي 2022 و2023 رفعت البلدية تقريراً كاملاً أعدته بشأن حل جذري لمنطقة الجليب، شمل 4 توصيات رئيسية، أبرزها الاستملاك وفقاً لأحكام المادة رقم 6 من المرسوم بقانون رقم 86/131 بشأن نزع ملكية العقارات الصادر بها صيغ الاستملاك، لعدد القسائم المستهدفة، التي بلغت 1545 عقاراً موزعة بين 1409 في السكن الخاص، و136 في الاستثماري، بقيمة 1.432 مليار دينار.
كما وجهت البلدية بتسليم المدن العمالية والتجمعات السكنية للعمال وفقاً لقرارات المجلس البلدي الصادرة بشأنها والبدء بتنفيذها بالتوازي مع خطة الاستملاك والإخلاء للمنطقة، وإعادة تنظيم المنطقة بشكل حضاري يتواكب مع موقعها المميز ومعالجة الخلل في التركيبة السكانية وإنهاء ظاهرة البيوت العربية القائمة ومشكلة المشاع المنتشرة ضمنها.
وذكرت، في تقريرها المرفوع لمجلس الوزراء، مجموعة من المعوقات لتنفيذ الخطة، أولها انتشار البيوت العربية في قسائم القطع أرقام 1,2، 3,4، 13,21، وغالبية هذه البيوت مملوكة لعدة مُلاك على المشاع، وقد يصل ملّاك القسيمة الواحدة إلى 7 «حصص مشاعية»، إضافة الى حصة الدولة التي تمثل السكة التي تخدم هذه البيوت، كما أن الحالة السيئة والمتهالكة لبعض المباني، وحالة الشوارع الداخلية والتقاطعات سيئة جداً.
ضبط 2458 وافداً من المطلوبين أمنياً ومخالفي قانوني الإقامة والعمل
الحسم الحكومي بالهدم والإزالة
ودخلت أزمة الجليب مرحلة المشرط الجراحي الحاسم في عامي 2025 و2026، عبر استراتيجية متكاملة ارتكزت على القوة القانونية والتنفيذ الميداني المباشر، أولها إصدار قرارات البلدية للإنذار والهدم، وحددت بداية الإجراءات على 67 عقاراً، لتنتقل إلى مجاميع أخرى من العقارات بشكل تدريجي، الأمر الذي سجل أول تحرُّك فعلي للإخلاء ضمن الإجراءات الحكومية.
35 عاماً من الإهمال
وعلى مدى 35 عاماً تحولت «الجليب» بسبب الإهمال الحكومي من جهة، وجشع تجار العقارات من جهة أخرى، إلى مستنقع للهاربين، يعيش فيه مخالفو قانون الإقامة وتجار المخدرات والمطلوبون وراغبو المتعة الحرام وتجار الأسواق العشوائية، فضلاً عن أنواع أخرى من البشر لا يُعرف السبب الحقيقي وراء وجودهم في هذا المستنقع المخيف، والذي كان سابقاً يعجّ بالمواطنين من سكان هذه المنازل، إضافة إلى الأسواق التجارية الشهيرة في حقبتي الستينيات والسبعينيات، وصولاً إلى ثمانينيات القرن الماضي.
ولم تؤت مئات الحملات الأمنية، طوال 35 عاماً، ثمارها، وظل الوضع على ما هو عليه، بل وازداد سوءاً، وأصبحت المنطقة كرة ثلج تكبر يوماً بعد يوم، واحتاجت إلى قرار فوري وحازم من الجهات المسؤولة في الدولة، حتى وصلنا إلى اليوم الذي لم يتوقع أحد أن القرار الحاسم اتخذ بتجفيف هذا المستنقع، والتعامل مع جميع من كان يعيش فيه وفق الأطر والقوانين.
وبتوجيهات النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، الشيخ فهد اليوسف، وقيادة وكيل «الداخلية»، اللواء عبدالوهاب الوهيب، وبالتنسيق مع وزارة الدفاع والحرس الوطني وبلدية الكويت وإدارة الطوارئ الطبية ووزارة التربية وجهات حكومية ذات صلة، نفذت وزارة الداخلية حملة أمنية شاملة في منطقة جليب الشيوخ، استكمالاً للإجراءات الميدانية الهادفة إلى إزالة المخالفات، وتعزيز الأمن والنظام العام، ومعالجة التجاوزات القائمة في المنطقة.
وأسفرت الحملة عن إخلاء المساكن المخالفة وعددها في المرحلة الأولى 1200 منزل، فضلاً عن ضبط أعداد كبيرة من المطلوبين أمنياً ومخالفي قانوني الإقامة والعمل، مما أصاب سكان المنطقة والقائمين عليها من العصابات بمختلف أنواعها بحالة من الذهول والصدمة.
كما أسفرت عن ضبط 2458 وافداً من المطلوبين أمنياً ومخالفي قانوني الإقامة والعمل، وتخفيف الأحمال الكهربائية في الفروانية بنسبة 80% نتيجة قطع التيار عن 1200 مسكن مخالف.
تخفيف الأحمال الكهربائية بالفروانية بنسبة 80% لقطع التيار عن المساكن المخالفة
النشأة والتأسيس
أما عن نشأتها وتأسيسها، فتشير المصادر التاريخية إلى أن التاريخ الفعلي لتأسيس المنطقة يعود إلى الفترة المحصورة بين عامي 1892 و1896.
وسميت جليب الشيوخ بهذا الاسم نسبة إلى كلمة «جليب»، التي تعني البئر في اللهجة الكويتية، و«الشيوخ» عائدة إلى الشيخين محمد وجراح الصباح، اللذين حفرا البئر الأولى فيها، وسميت منطقة العباسية (وهي جزء غير رسمي من منطقة جليب الشيوخ) نسبةً إلى رجل الأعمال الكويتي البارز وعضو المجلس التأسيسي عباس حبيب المسيلم الرشيدي، حيث امتلك وقسّم وباع تلك الأرض في عام 1965، فصُممت وسُميت باسمه، أما منطقة الحساوي (الواقعة ضمن منطقة جليب الشيوخ) فقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى رجل الأعمال الكويتي الراحل مبارك عبدالعزيز الحساوي (1925 - 2005)، لأنه كان يملك أجزاءً واسعة من أراضي تلك المنطقة، وعُرف بنشاطه العقاري.
ومع الفترة بين عامي 1960 و1980، التي أتت بعد اكتشاف النفط وبدء النهضة الحديثة في الكويت خلال منتصف القرن العشرين، دخلت الجليب مرحلة التحديث والتنظيم الحكومي، لتبدأ مشاريع التثمين والتنظيم مع بداية الستينيات عبر غربلة الأراضي الصحراوية والعشوائية في الجليب وإعادة تخطيطها كضاحية سكنية وتجارية، وشهدت المنطقة بعد ذلك، وتحديداً عام 1970، نمواً سكانياً لافتاً بلغ نحو 30721 نسمة حسب الإحصاءات التاريخية للمنطقة.
وشهد عام 1986 افتتاح المشروعات الخدماتية الكبرى، وعلى رأسها السوق المركزي الجديد لجمعية جليب الشيوخ التعاونية في 17 أبريل 1986، وأصبحت المنطقة تجذب شريحة واسعة من المواطنين والمقيمين، نظراً لقربها من المراكز الحيوية ومناطق العمل.
نتائج الحملة الأمنية الشاملة في منطقة جليب الشيوخ
وزارة الداخلية:
ضبط 2458 وافداً من المطلوبين أمنياً ومخالفي قانوني الإقامة والعمل.
ضبط 36 طفلاً من حالات الحمل السفاح برفقة أمهاتهم.
بلدية الكويت:
1- تحرير 1824 مخالفة.
2- إزالة 84 مركبة مهملة.
3- وضع 122 ملصق إنذار على مركبات مهملة.
وزارة الكهرباء والماء:
تخفيف الأحمال الكهربائية في محافظة الفروانية بنسبة 80% نتيجة قطع التيار عن 1200 مسكن مخالف.
وزارة الأشغال العامة:
رصد 1432 منزلاً آيلاً للسقوط.
إغلاق 34 وصلة صرف صحي غير قانونية.
معالجة 120 حالة طفح في شوارع المنطقة.
وزارة التجارة والصناعة:
تحرير 386 محضر ضبط.
إصدار 24 قرار إغلاق.
قوة الإطفاء العام:
تنفيذ 234 قرار إغلاق إداري.
وزارة الصحة:
علاج 1456 حالة في مركز الإيواء.
إحالة 94 حالة إلى المستشفى.
الهيئة العامة للبيئة:
تحرير 135 محضر ضبط لمخالفات بيئية وإحالتها إلى النيابة العامة.
الهيئة العامة للغذاء والتغذية:
تحرير 622 محضر مخالفة.
تحرير 18 محضر إتلاف لمواد غذائية.
تقديم 36 طلباً لإغلاق منشآت مخالفة.
الهيئة العامة للقوى العاملة:
تنفيذ 8401 حالة تفتيش على المحال والمنشآت الاستثمارية.
ضبط 1522 منشأة مخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
إجمالي عدد حالات الأشخاص التي تم فحصها ميدانيا 835.
رصد 264 حالة دفع مال مقابل الإقامة.
إحالة 426 شخصاً من مركز إيواء العمالة الوافدة إلى إدارة الإبعاد.
تجارة بلا رقابة
في إحدى جولات «الجريدة» في وقت سابق من تنفيذ قرار إخلاء منطقة جليب الشيوخ، وتحديداً في أحد شوارعها، مررنا على محل لبيع اللحوم، يتخذ من الرصيف «ثلاجة» لحفظ سلعته، من دون عازل عن الأرض أو غطاء من الحشرات المنتشرة حول «برك المياه» الموجودة بكثافة في المنطقة، والتي أصبحت علامة مميزة لها، وعلى الجانب الآخر تجد أحدهم يفترش الأرض ببعض الأسماك التي طهيت بحرارة الشمس قبل بيعها، وتم «تتبيلها» بالأتربة وعوادم السيارات!
مخدرات وإخلال بالآداب
كانت تجارة السموم البيضاء والأعمال المخلة بالآداب إحدى أبرز ما يميز تلك المنطقة، وخاصة عند ضعاف النفوس، ففي المنازل المحددة، التي تعرف عند الجميع، تجد بيئة مناسبة لصناعة وترويج السموم من مواد مخدرة وخمور وغيرها، فضلاً عن انتشار مواقع مخلة بالآداب، وهي من أبرز النقاط التي ناقشتها اللجنة المشتركة التي شكلت قبل تنفيذ خطة الإخلاء، وعثر خلالها رجال الأمن على 36 طفلاً مع أمهاتهم نتيجة علاقات مُحرّمة.
البنية التحتية مأساوية
البنية التحتية لمنطقة جليب الشيوخ أيضا كانت محل نقاش مستفيض من قبل اللجنة المشتركة، خصوصاً بعد شرح مسؤولي وزارة الأشغال الحالة المأساوية التي وصلت لها المنطقة، حيث لوحظ وجود حفر كبيرة مليئة بالمياه، تبين لاحقاً أن مصدرها «الصرف الصحي»، وأن هناك العديد من هذه الحفر موجودة في أكثر من موقع، بالإضافة إلى اكتشاف وجود انسداد كبير في شبكة الصرف الصحي، مما أثر على الخدمات في المنطقة واستدعى جلب أعداد كبيرة من سيارات الصهاريج والتناكر الفراغية لتنظيف الشبكة.
282 ألف نسمة
أظهرت بيانات الهيئة العامة للمعلومات المدنية في الكويت تفاصيل وحقيقة التركيبة السكانية الديموغرافية لمنطقة جليب الشيوخ، والتي صُنفت لسنوات طويلة كواحدة من أعلى المناطق كثافة سكانية بالبلاد، وفي 2025 بلغ إجمالي عدد سكانها 282263 نسمة، لتحتل المركز الثالث كأعلى المناطق كثافة واكتظاظاً بالسكان في الكويت، بعد منطقتي السالمية والفروانية.
لكن التقديرات الميدانية للبلدية والجهات الأمنية أشارت إلى أن العدد الفعلي المقيم على الأرض يجاوز الرقم الرسمي، نظراً لوجود نسبة من العمالة المخالفة لقانون الإقامة أو القاطنين في تقسيمات سكنية غير مسجلة رسمياً بالهيئة، وهو ما دفع الدولة إلى تنفيذ حملات الإخلاء والتدقيق الميداني الشامل.















0 تعليق