مراكز القدرات العالمية في الهند... حيث تبني الشركات مستقبلها العالمي

الجريدة الكويتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عندما يفكر الناس في الكويت ومنطقة الخليج في ممارسة الأعمال التجارية بالهند، قد تتبادر إلى أذهانهم أولاً صورة سوق استهلاكية ضخمة ومتنامية، ومهنيين هنود يعملون في مختلف أنحاء الخليج، ومشاريع بنية تحتية ضخمة، وقطاعات الأدوية والسيارات والمنسوجات والتكنولوجيا.

لكن إلى جانب هذه الصورة، تبرز صورة أخرى للهند، أقل وضوحاً للزائر العادي، لكنها تزداد أهمية بالنسبة إلى الأعمال العالمية.

ففي مدن هندية مثل بنغالورو وحيدر آباد ومومباي وتشيناي وبونه ودلهي وضواحيها، وفي عدد متزايد من المدن الهندية الأصغر، تعمل فرق من المهندسين والعلماء والمحاسبين والمصممين ومطوري البرمجيات ورجال الأعمال الهنود يومياً على منتجات وخدمات تُستخدم في مختلف أنحاء العالم.

هذه هي «مراكز القدرات العالمية في الهند»، التي يمكن أن تصبح جسراً جديداً ومهماً بين الهند والكويت ومنطقة الخليج.

لم يعُد مركز القدرات العالمية مجرد مكتب خلفي منخفض التكلفة، بل تركز أفضل هذه المراكز اليوم على الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتحليلات المالية، وتكنولوجيا أشباه الموصلات، والهندسة، وتصميم المنتجات، والمنصات الرقمية، والبحوث، واستراتيجيات الأعمال العالمية. وتضم الهند أكثر من 1700 مركز من هذا النوع، يعمل فيها ما يقارب مليوني متخصص.

وبالنسبة إلى الشركات الكويتية أو الخليجية الساعية إلى التوسع دولياً، يمثّل ذلك فرصة جذابة، إذ يمكن للهند أن تصبح المكان الذي تبنّي فيه هذه الشركات القدرات اللازمة لمرحلة نموها المقبلة.

تكمن قوة الهند، جزئياً، في التنوع الاستثنائي الذي تتمتع به مدنها. وتُعد بنغالورو، ربما، المثال الأشهر، إذ أصبحت مركزاً عالمياً للبرمجيات والذكاء الاصطناعي والهندسة والتكنولوجيا المتقدمة.

أما حيدر آباد، فقد طورت قدرات قوية في مجالات التكنولوجيا والأدوية والرعاية الصحية والفضاء.

وتُعد مومباي العاصمة المالية للهند، وهي ملائمة بطبيعتها لقطاعات الخدمات المصرفية والاستثمار والتأمين والتحليلات المالية.

وتجمع بونه بين الهندسة والتصنيع وصناعة السيارات والتكنولوجيا، بينما تتمتع تشيناي بخبرة واسعة في صناعة السيارات والإلكترونيات والهندسة الصناعية والخدمات الرقمية.

وتجمع منطقة دلهي وضواحيها بين التكنولوجيا والخدمات المهنية والقرب من المؤسسات الحكومية والتنظيمية في الهند.

وهناك بُعد آخر للمدن الهندية، فمدن مثل أحمد آباد وجايبور وكوتشي وتيروفانانثابورام وكويمباتور وكولكاتا وإندور تستقطب بشكل متزايد شركات التكنولوجيا وعمليات الأعمال.

وهذا يعني بالنسبة إلى الشركات أن الهند ليست سوقاً واحدة للمواهب، بل مجموعة من أسواق الكفاءات، لكل منها مهاراتها وتكاليفها وثقافاتها ومجالات خبرتها المختلفة.

ويُعد هذا الأمر مفيداً بشكل خاص للشركات الكويتية والخليجية، فعلى سبيل المثال، يمكنها توظيف محللين ماليين في مومباي، ومهندسين في بونه، وخبراء تكنولوجيا في بنغالورو، وفرق متخصصة في أحمد آباد أو كوتشي أو جايبور.

يستثمر التجار والشركات الكويتية في الهند ويعملون فيها منذ قرون، وقد رسخت هذه الشركات وجوداً قوياً لها في الاقتصاد الهندي.

وما يتغير في الهند هو طبيعة الفرصة المتاحة، ففي السابق، كانت الشركات الكويتية العاملة في الهند تحتاج إلى مصانع أو متاجر أو فنادق أو مستودعات أو أصول استثمارية.

أما اليوم، فيمكنها أيضاً بناء فريق عمل يخدم الشركة على المستوى العالمي.

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على عدد الموظفين في المركز، بل إنها تمثل تحولاً في التفكير، فالهند لم تعد مجرّد سوق، بل أصبحت وجهة جذابة لإدارة وتنمية الأعمال التجارية الدولية.

ولعل أبرز ما يميز الهند هو شعبها، فعلى مدى عقود، طورت الهند بيئة حاضنة للقوى العاملة الموهوبة، من خلال الاستثمار في الجامعات وشركات التكنولوجيا والشركات الناشئة وشركات الخدمات المهنية ومراكز الأبحاث والمجمعات التقنية والبنية التحتية الرقمية المتطورة باستمرار. وهذا يتيح للشركات البدء على نطاق صغير والنمو بسرعة.

تتمتع الشركات الكويتية بخبرة واسعة في قطاعات مثل الطاقة والخدمات المصرفية والاستثمار والخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة والعقارات والضيافة. 

وفي المقابل، تقدّم الهند نقاط قوة مكملة في مجالات التكنولوجيا والهندسة والتحليلات والصناعات الدوائية والخدمات الرقمية، إضافة إلى قاعدة واسعة من الكفاءات المهنية.

تربط الهند والكويت علاقة تاريخية عريقة، أقدم بكثير من الإحصاءات التجارية الحالية، بُنيت عبر التجارة والملاحة البحرية واللؤلؤ والتمور والمنسوجات، وقبل كل شيء، عبر العلاقات الشعبية.

فقد عاشت أجيال من الهنود وعملت في الكويت، بينما طورت الشركات الكويتية علاقاتها في الهند.

ويمكن بناء الفصل التالي من هذه العلاقة على أساس جديد: المعرفة والكفاءة.

وبالنسبة إلى الكويت، فإن إنشاء مركز للقدرات العالمية في الهند لا يعني بالضرورة نقل الوظائف من الكويت، بل يمكن أن يعني إنشاء ذراع إضافية لشركة كويتية، تستفيد من الكفاءات الهندية وتدعم عمليات الشركة في الكويت وغيرها من الأسواق العالمية.

أما بالنسبة إلى الهند، فإن الاستثمار الخليجي يجلب قيمة مماثلة، رأس المال الدولي، والخبرة الريادية، والوصول إلى أسواق يمكن للمواهب والتكنولوجيا الهندية أن تخلق فيها قيمة مضافة.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الهند قادرة على توفير كوادر مؤهلة بتكلفة تنافسية، فقد تمت الإجابة عن هذا السؤال إلى حد كبير.

السؤال الأهم هو: ما الذي يمكن لشركة كويتية أن تنشئه في الهند ولا تستطيع تأسيسه بسهولة في أي مكان آخر؟

قد تتراوح الإجابة بين مركز تكنولوجي وفريق بحث عالمي، ومنصة لتحليل الاستثمار إلى مركز هندسي.

إن قصة مراكز القدرات العالمية في الهند هي، في جوهرها، قصة بشر. إنها قصة شباب هنود موهوبين يعملون على مواجهة التحديات العالمية، وقصة شركات عالمية تكتشف أن القدرات التي تحتاج إليها للمستقبل يمكن بناؤها في المدن الهندية اليوم.

وبالنسبة إلى الكويت ومنطقة الخليج عموماً، يجعل هذا الهند أكثر من مجرد وجهة استثمارية، بل شريكاً محتملاً في بناء المستقبل.

* سفيرة جمهورية الهند لدى الكويت

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق