حين يُقاس الرجالُ بالأثر يُذكر المهندس سمير رسلان

صراحة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ليست كلُّ السِّيَر تُروى، فبعضها يُعاش أثرًا، ويُستدلّ عليه بما يتركه صاحبه خلفه من بصماتٍ لا تُمحى. وحين يُذكر اسم المهندس سمير رسلان، مدير عام الأمن الصناعي سابقًا بشركة أرامكو السعودية، فإننا لا نستحضر مجرد مسارٍ وظيفي، بل نستحضر حكاية قائدٍ إداري محنّك، جعل من العمل قيمة، ومن الالتزام منهجًا، ومن المسؤولية رسالةً تتجاوز حدود المنصب إلى عمق الأثر.

وفي بيئةٍ عظيمة بحجم أرامكو السعودية، حيث المعايير لا تقبل إلا بالكمال، والتحديات تُقاس بحجم الطموح، تبرز الأسماء التي لا تكتفي بالأداء، بل تعيد تعريفه. وكان المهندس سمير رسلان واحدًا من تلك القامات التي لم تمرّ مرور العابرين، بل رسّخت حضورها بهدوء الواثقين، وصنعت لنفسها مكانًا لا يُقاس بالزمن، بل بما تركته من أثرٍ ممتد.

فمنذ بداياته، لم ينظر إلى العمل بوصفه وظيفةً تُؤدّى، بل بوصفه مسؤولية تُحمل، فاختار طريق الإتقان لا الظهور، وجعل من الانضباط رفيقًا دائمًا، ومن الصمت لغةً للإنجاز. فلم يكن يسعى إلى الضوء، لكنه كان يعمل بما يجعل الضوء يأتي إليه، وهذه هي سِمَة القادة الإداريين الحقيقيين الذين يصنعون المجد دون أن يعلنوا عنه.

وحين تولّى قيادة الأمن الصناعي كمدير عام، لم يتعامل معه كإدارةٍ تقليدية تُعنى بالإجراءات، بل أعاد تشكيله كمنظومةٍ واعية، تُدرك أن الأمان ليس قرارًا يُتخذ، بل ثقافة تُبنى. فحوّل المفهوم من رقابةٍ تُفرض إلى وعيٍ يُمارس، ومن أنظمةٍ صارمة، إلى سلوكٍ حيّ يتجذّر في تفاصيل العمل اليومية، حتى استقرّ الاحتراف كمنظومةٍ متكاملة تُدار بعقلٍ واعٍ، وأصبح جزءًا من هوية المكان، لا مجرد بندٍ في لوائحه.

ولقد آمن أن حماية الإنسان تسبق حماية المنشأة، وأن الوقاية ليست خيارًا، بل واجبٌ مهني وأخلاقي، ومن هنا ارتقى بالأمن الصناعي إلى مستوى الرؤية، لا التنفيذ فقط، فغدا نموذجًا يُحتذى، وتجربةً تُروى في كل حديثٍ عن الإدارة الواعية.

وفي ملامح قيادته الإدارية، تتجلّى صورة القائد الإداري الذي لا يُشبه إلا نفسه، حازمٌ حين يتطلّب الموقف حزمًا، وإنسانيّ حين تستدعيه القلوب، وحاضرٌ بعقله في القرار، وبقلبه في التعامل، وبحكمته في إدارة التفاصيل. ولم يكن يرفع صوته ليُسمع، بل كان يُنصت ليُفهم، ويعمل ليُنجز، ويقود ليصنع فرقًا حقيقيًا.

ولم يكن تأثيره محصورًا في ما أنجزه من أعمال، بل في ما زرعه من قيمٍ بقيت حيّةً بعده، إذ أسّس منهجًا إداريًا يقوم على أن المسؤولية تسبق الصلاحية، وأن الالتزام يسبق الإنجاز، وأن العمل بروح الفريق هو الطريق الأصدق نحو النجاح. ولهذا، لم يكن حضوره مرتبطًا بموقع، بل ممتدًا في كل من تعلّم منه، أو سار على خطاه.

وحين انتهت رحلته الوظيفية، لم ينتهِ عطاؤه، فالقامات الكبيرة لا تُغادر، بل تُغيّر مواقعها فقط. حيث ظلّ حاضرًا بخبرته، مؤثرًا برؤيته، ومؤمنًا أن الإنسان لا يُقاس بما يشغله من منصب، بل بما يتركه من أثر.

وفي نهاية المطاف، لا يبقى من الإنسان إلا ما قدّم، ولا يُخلَّد إلا ما كان صادقًا في أثره. والمهندس سمير رسلان لم يكن مجرد اسمٍ في سجلٍ وظيفي، بل كان فصلًا من فصول القيادة، ونموذجًا حيًا لمعنى أن يتحوّل العمل إلى إرث.

وهكذا تُكتب سِيَر الرجال، لا بالحبر، بل بالمواقف، ولا بالألقاب، بل بما يتركونه من أثر. وسيظل اسم المهندس سمير رسلان شاهدًا على أن القيادة الحقيقية ليست أن تصل، بل أن تجعل من بعدك الطريق أوضح، والأثر أبقى، والذاكرة أكثر امتلاءً بالحكايات التي لا تنطفئ.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الأحد 13 إبريل  2026 م

للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا ) 

أخبار ذات صلة

0 تعليق