فاتورة العمر

صراحة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ليست الحياةُ رصيدًا مفتوحًا كما نظن، ولا زمنًا يُستهلك على مهلٍ بلا حساب، بل هي دفترٌ محكم، تُقيَّد فيه اللحظات قبل الأعوام، وتُحصى فيه الأنفاس قبل الأحلام، وتُدوَّن فيه النوايا قبل الأفعال. نمضي فيها ونحسب أن في العمر فسحة، فنؤجّل ونُرحّل ونُرتِّب ، حتى إذا داهمنا الوعي أدركنا أن الحساب قد بدأ، ووجدنا بين أيدينا فاتورةً لا تُؤجَّل، ولا تُخفَّض، ولا تُمحى بحُسن التبرير أو طول الأعذار. ففاتورةُ  العمر ليست ورقةً تُسلَّم في ختام الرحلة فحسب، بل سجلٌّ يتشكّل في كل لحظة، يُكتب بالحضور أو الغياب، بالصدق أو التزييف، بالإقدام أو التردّد.

فلا تُدفع هذه الفاتورة بالمال، ولا تُسدَّد بالوعود المؤجلة، بل تُدفع من جوهر ما عشته، ومن عمق التجربة، ومن حرارة الشعور، ومن صدق الخطو في طريقك، ومن الأثر الذي تركته خلفك، خفيفًا كان كنسمةٍ عابرة أو راسخًا كجذرٍ لا تقتلعُه المواسم. فنحن لا نخسر الوقت حين يمضي، بل نخسر ما كان يمكن أن نصنعه فيه، فكل دقيقةٍ تُهدر تُضاف بندًا صامتًا في تلك الفاتورة، وكل فرصةٍ تُفوَّت تتحول إلى رقمٍ لا يُمحى في حساب العمر. فنُحمّل الزمن ما لا يحتمل، وننسى أن الخسارة لم تكن في سرعة انقضائه، بل في بطء حضورنا فيه، وحين نلتفت لا نجد الأيام قد خذلتنا، بل نجدنا نحن من خذلناها، حين مررنا بها مرور الغافل، لا مرور العابر الذي يترك أثرًا ويأخذ معنى.

فكم من أعمارٍ أُنفقت في الانتظار، وفي تأجيل الحلم حتى يبرد، في تأجيل الاعتذار حتى يتخشّب، وفي تأجيل البدايات حتى تصبح البدايات عبئًا. وكم من قلوبٍ أرجأت قول الحقيقة حتى فقدت القدرة على النطق، وكم من أرواحٍ اختارت السلامة حتى خسرت الحياة نفسها، وحتى صار التأجيل نمطًا، وصار العمر بندًا مؤجّلًا في قائمةٍ لا تنتهي.

ففاتورةُ العمر لا تُريك ما كسبت فقط، بل تكشف لك ما أهملت، فتُظهِر لك الأماكن التي مررت بها بلا حضور، والوجوه التي صافحتها بلا معنى، والأيام التي عشتها بلا أثر. وتُذكّرك أن الحياة لم تكن يومًا عدد سنواتٍ يُحصى، بل جودة لحظاتٍ تُعاش، وأن أثقل ما في الفاتورة ليس ما أخطأت فيه، بل ما لم تجرؤ أن تفعله أصلًا.

وهناك من يدفع فاتورته وهو مطمئن، لأنه عاش كما أراد، لا كما فُرض عليه، وأحبّ دون حساب، وخاض التجربة دون أن يختبئ خلف الخوف، وترك أثرًا يُشبهه لا يُشبه سواه. وهناك من يفاجأ بها، مثقلةً بما لم يُعشه، وبما تردّد فيه، وبما أجّله حتى ضاع، وبما تركه يمضي ظنًا أن الوقت سيعود.

والأعجب أن هذه الفاتورة لا تُسلَّم دفعةً واحدة، بل تُسلَّم كل يوم، في شعورك الخفيّ بالرضا أو في ذلك الثقل الذي لا اسم له، في سكينةٍ تنام في صدرك بلا سبب، أو في قلقٍ يتسلّل إليك رغم اكتمال الأشياء من حولك. فهي ليست نهايةً تُفاجئك، بل إشاراتٌ تتكرّر، تنبّهك، تُحذّرك، وتمنحك فرصةً أخرى إن وعيت.

فالحياة لا تسألك كم عشت؟ بل تسألك كيف عشت؟ ولا تُحاسبك على عدد الأيام التي مرّت، بل على امتلائها، وعلى صدقها، وعلى حضورك فيها، لأن الأيام الفارغة، مهما كثرت، لا تُثقل الميزان، بينما لحظةٌ صادقة واحدة قد ترجح بكفة عمرٍ كامل.

ففاتورةُ العمر ليست حكمًا قاسيًا، بل مرآةٌ عادلة، لا تُجامل، ولا تُزيّف، ولا تُخفي؛ تُريكك كما أنت بلا رتوش، وتضع أمامك الحقيقة كما هي ما عشته وما كان يمكن أن تعيشه. وهي في قسوتها رحمة، لأنها تمنحك ما لا تمنحه الحياة عادةً، وفرصة أن ترى نفسك بوضوح قبل أن يُغلق الدفتر.

فإن كان لا بد من فاتورة، فاجعلها فاتورة امتلاء، لا فاتورة فراغ، واجعلها شاهدًا لك لا عليك، ودع سطورها تكتب أنك لم تكن عابرًا في حياتك، بل حاضرًا فيها. فعش ما يستحق أن يُعاش، وقل ما يستحق أن يُقال، وابدأ بما يستحق أن يبدأ، قبل أن يتحوّل كل ذلك إلى بندٍ مؤجّلٍ في حسابٍ لا يقبل التأجيل.

واجعل ختامها سطرًا يليق بك

لقد عشتُ كما ينبغي لا كما اتّفق.

 

الكاتب / طارق محمود نواب

الأربعاء إبريل  2026 م

للاطلاع على مقالات الكاتب ( أضغط هنا ) 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق