حين تستعير التجارة رداء الطب: بين الدليل والادعاء

الجريدة الكويتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كثيراً ما أجد في العيادة مراجعاً يأتي بعد مشاهدة إعلانٍ لدواء أو منتجٍ صحي، ويسألني: «دكتور، هل هذا فعَّال فعلاً؟». 

هذا السؤال يتكرَّر بطريقةٍ شبه يومية، وهو يختصر مشكلةً أوسع، فالتسويق التجاري لم يعد يكتفي بعرض المنتج بخصائصه المباشرة، بل بات يستعير لغة الطب، ليمنح رسائله مظهراً علمياً لا يعني دائماً أنها قائمة على دليلٍ طبي رصين. 

إن تعبيرات مثل «مُثبت سريرياً» أو «مُوصى به طبياً» أصبحت حاضرة بكثافة في الإعلانات، حتى في سياقات لا تخضع للمعايير العلمية الصارمة التي تحكم ممارستنا الطبية.

الطب، في جوهره، علمٌ يقوم على التحقق. لا نعتمد فيه ادعاءً لمجرَّد أنه يبدو مقنعاً، أو شاع بين الناس، بل بعد مسارٍ طويل من الدراسات المحكمة، ومراجعة الأقران، وتراكم الأدلة، وكل توصية نمنحها للمريض تحمل خلفها مسؤولية أخلاقية ومهنية، لأن أثرها يمسُّ سلامته بشكلٍ مباشر. 

أما التسويق، فهدفه الأساسي هو التأثير في قرار المستهلك، وتعزيز الإقبال، لذلك قد يستخدم لغة طبية انتقائية أو مبسَّطة تخدم الرسالة الترويجية، حتى وإن كانت تفتقر إلى العُمق العلمي الكامل.

تظهر الإشكالية حين تتداخل هذه الحدود في وعي الجمهور، فاستخدام المصطلحات الطبية خارج سياقها العلمي يمنح المنتج انطباعاً بالموثوقية، مما قد يدفع البعض إلى اتخاذ قرارات صحية مبنية على انطباعات تسويقية أكثر من كونها قائمة على معرفة علمية مثبتة. هنا، يتجاوز دور الطبيب جُدران العيادة، فنحن معنيون بتوضيح الفارق بين «لغة الدليل» التي نبني عليها علاجاتنا، و«لغة الإعلان» التي تهدف إلى الجذب.

في النهاية، تظل المعرفة الواعية هي خط الدفاع الأول ضد التضليل. 

إن الهدف من هذا التوضيح ليس التقليل من أهمية المنتجات التجارية في حد ذاتها، بل تعزيز قدرة الجمهور على التمييز بين ما يُقال بلغة العلم، وما يُعرض بلغة التسويق. فكلما كان المراجع أو القارئ أكثر إدراكاً لطبيعة هذه الحدود، أصبح أكثر قُدرةً على اتخاذ قرارات متوازنة ومستنيرة تخدم صحته وصحة كل مَنْ يحب قبل كل شيء.

* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة 

معهد الكويت للتخصصات الطبية - وزارة الصحة

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق