مسابقات آيسف: تشجيع لهواة الابتكار، أم تحفيز للبحث، أم مجرد تمثيل علمي؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مسابقات آيسف: تشجيع لهواة الابتكار، أم تحفيز للبحث، أم مجرد تمثيل علمي؟, اليوم الاثنين 8 يونيو 2026 12:13 صباحاً

تحولت مسابقة « ISEF» الدولية للعلوم والهندسة من معرض صيفي لمشاريع طلبة المدارس إلى بوابة للجامعات الكبرى، وتجاوزت قيمة جوائز السنوية تسعة ملايين دولار. لكن هذه الأرقام أخفقت في الإجابة عن أسئلة أبسط مثل ماذا تقدم هذه المسابقة لهؤلاء لطلبة فعلا؟ هل تساهم في إعداد مبتكرين حقيقيين، أم تخفي محاكاة مقنعة للبحث العلمي؟

ما دفعني لكتابة هذا المقال هو ظاهرة تتكرر في بداية كل عام دراسي، حيث بات من الشائع أن يتلقى أساتذة الجامعات رسائل من طلبة بالمرحلة الثانوية، يطلبون فيها «شرف الإشراف» على مشاريعهم لأجل المشاركة في مسابقة آيسف. ومع الحماس الواضح في هذه المراسلات إلا أن معظم أفكار المشاريع غير قابلة للتنفيذ بالإمكانيات المتاحة في المدارس، ناهيك عن أن الطالب لم يدرس الأساس النظري المطلوب. فقد يطرح طالب فكرة بناء مفاعل نووي مصغر في البدروم، وآخر يحلم بإنجاز تسلسل جينوم لنوع نادر من الفراشات بأجهزة لا تتوفر إلا في مختبرات بتكلفة ملايين الدولارات. ومما لا شك فيه أن هذه الأمثلة تؤكد وجود فجوة حادة بين ما تطلبه المسابقة (كما يتصور المشاركون) وبين ما يستطيع إنجازه تلميذ بالمرحلة الثانوية.

وهنا يبرز سؤال جوهري «هل من المعقول أن نتوقع من طلبة في الخامسة عشرة أن يكونوا مبتكرين بالمعنى الأكاديمي؟».. من المسلم به أن الابتكار الذي يغير معادلة في أي فرع من العلوم التطبيقية هو نتاج تراكم معرفي وخبرات عملية متقدمة. فمثلا جميع العلماء مثل نيوتن وأينشتاين وماري كوري لم تأت إسهاماتهم الكبرى في سن المراهقة، بل بعد عقود من الدراسة والبحث في تخصصاتهم. فأينشتاين أمضى سنوات طويلة في تعلم واستيعاب الأساسيات قبل أن يتوصل لنظرياته ويبرهنها.

إن المسابقة بشكلها الحالي تخلط بين «الإبداع المبكر» و«الابتكار المتقدم». فالإبداع المبكر شيء حقيقي، ومن الطبيعي أن يبتكر مراهق جهازا بسيطا لري النباتات باستخدام مواد متوفرة في المنزل أو المتاجر المحلية. ولكن الابتكار الذي يتطلب فهما عميقا لفيزياء الكم أو الأحياء الجزيئية أو كيمياء النانو، فهذا لا يتوقع أن ينجزه طالب ثانوية بمفرده. وحين ندفع طلبة المدارس إلى محاكاة هذا النوع من الابتكار، فإن الأمر ينتهي بواحد من خيارين؛ فإما أن يلجؤوا للأساتذة أو أولياء الأمور لينجزوا لهم المشروع، أو تقديم أعمال تحاكي البحث العلمي شكلا، ولكنها تخلو من عمقه.

وتكمن المشكلة في أن هذا الدفع المبكر قد يتجاوز المراحل الطبيعية للتعلم (عشوائية المراحل). إذ إن الفضول يسبق التجريب، والتجريب يسبق الفهم، والفهم يسبق الابتكار. وحين نضع طالب ثانوية مباشرة في موقع «باحث مبتكر»، ونطلب منه تجاوز كل هذا دفعة واحدة. فإن النتيجة المتوقعة في الأغلب ليست العبقرية المبكرة، بل الإحباط أو فقدان الشغف أو الغش.

ولعل ما حدث مع كريش باي في 2024 ما يبرر مثل هذه المخاوف. فهذا الطالب ذو السبعة عشر ربيعا فاز بالجائزة الكبرى عن بحث حول نجاح بعض الميكروبات في تحلل البلاستيك، ثم تبين بعد ذلك أن المشروع تضمن صورا منسوخة وبيانات ملفقة من أبحاث سابقة؛ مما دفع جمعية العلوم لسحب جوائزه. إن هذه ليست حادثة معزولة، بل نتيجة طبيعية لثقافة تضع المظهر قبل الجوهر، وتفرض توقعات لا يستطيع طالب في مثل سنه إنجازها.

ومؤخرا أثيرت بعض المخاوف حول الأثر النفسي لهذه المسابقات على صحة المراهقين. قد وثقت دراسات أكاديمية الأثر النفسي لمثل هذه التوقعات. ففي دراسة نشرتها مجلة «Learning and Instruction» (العدد 95، فبراير 2025) تضمنت 420 مراهقا موهوبا، وجد أن المناخ التنافسي الحاد لا يولد فضولا معرفيا، بل يولد توجها قائما على الخوف من الخسارة. وفي دراسة مماثلة منشورة في العدد نفسه، وشملت 407 طلاب ثانوية، توصلت إلى أن الإرهاق المدرسي كان مرتفعا بمستوى ملحوظا بين طلبة المدارس ذات المناخ التنافسي العالي. مما يوكد أن الطلب المبكر على الابتكار المتقدم لا يخلق علماء، بل قد يخلق طلبة قلقين ومنهكين.

ولعل فكرة حصر المسابقة في المشاريع التي يتوقع من طالب المرحلة المتوسطة أو الثانوية إنجازها بمفرده أو ضمن فريقه، باستخدام إمكانيات متاحة في المدارس أو المنازل، دون مختبرات جامعية أو إشراف أكاديمي متخصص، خيار واقعي ومنطقي. وهو يتطلب الاعتراف بأن «هواية العلم» شيء، و«الابتكار الأكاديمي» شيء آخر تماما، فالأول قابل للتحقيق في المراحل المبكرة، والثاني ليس كذلك.

إن للمدرسة دورا أساسيا في اكتشاف المواهب وبناء علاقة حقيقية بين الطالب والعلم، ليس من خلال المناهج فقط، بل من خلال توفير البيئات التي تتيح له التجربة والاستكشاف بحرية. فإنشاء ناد للروبوتات ومختبر للعلوم يوفر للطلبة الموهوبين ما يحتاجونه لإنجاز مشاريعهم وهواياتهم العلمية، أمثلة تبدو عادية لكنها قد تفتح لهم آفاقا واسعة. فكثير من التجارب المفيدة لا تحتاج إلى تجهيزات ومقتنيات معقدة وباهضة التكلفة. وتتطلب الاستفادة المثلى من هذه البيئات، تدريب المعلمين على الإشراف بطريقة تشجع الاستكشاف والتفكير الحر، واحتساب المشاريع الحرة ضمن درجات المعدل من خلال نظام تقويم يعترف بقيمة العملية والجهد بقدر ما يعترف بالنتيجة النهائية. وفي هذا السياق، يتوقع من مراكز رعاية الموهوبين أن تكون امتدادا لهذا الجهد لا بديلا عنه. فدورها يجب أن يمتد إلى دعم المدارس وتأهيل المعلمين وتقديم فرص متقدمة للطلاب الذين يظهرون شغفا وموهبة مبكرة، مع التركيز على تنمية التفكير العلمي والاستقلالية بدلا من الاعتماد على المشاريع التي تتطلب مساعدة ومختبرات أكاديمية متقدمة للحصول عل نتائج سريعة.

وخلاصة القول، إن تشجيع الطلبة في المرحلتين المتوسطة والثانوية للمشاركة مسابقات تحتفي بالمشاريع الصغيرة الأصيلة، وتعترف بأن الفشل جزء طبيعي من التعلم، سيكون أكثر صدقا وأكثر فائدة من مسابقة تجعل طالبا يرسل رسائل إلى أساتذة لا يعرفهم لاستعارة مشاريع لا يفهمها. فالفضول الحقيقي لا يحتاج إلى أموال طائلة ليظهر. وإنما يحتاج إلى مكان مناسب قد يكون الإخفاق دافعا لمزيد من المحاولة والنجاح دون خسارة أي شيء. وهذا بالضبط ما يجعل دور مراكز رعاية الموهوبين حاسما كامتداد لجهود المدرسة. فهل نحن مستعدون لإعادة تعريف النجاح في آيسف؟ ليس كسباق نحو ابتكار لا يناسب المرحلة، بل كاحتفاء بمشاريع ابتكرها ونفذها الطلبة بأيديهم وبالإمكانيات المتاحة في مدراسهم فعلا؟

أخبار ذات صلة

0 تعليق