ورحلت أيام معه

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ورحلت أيام معه, اليوم الاثنين 13 أبريل 2026 08:51 مساءً

برحيل الأديبة السورية كوليت خوري عن عمر ناهز الخامسة والتسعين، تفقد دمشق - ومعها الساحة الثقافية العربية - واحدة من أبرز الأصوات النسائية التي غيرت شكل الكتابة العاطفية في المنطقة، وفتحت الباب أمام المرأة لتروي قصتها بصوتها، لا بصوت المجتمع من حولها.

لم يكن خبر رحيلها في العاشر من أبريل مجرد حدث ثقافي؛ بل بدا كأن مدينة كاملة فقدت جزءا من ذاكرتها. فكوليت خوري لم تكن كاتبة عابرة، بل رمزا لمرحلة أدبية صاخبة، وامرأة سبقت زمنها بجرأتها وصدقها، قبل سنوات طويلة.

في زحمة معرض الكتاب بدمشق، التقيت كوليت خوري - للمرة الأولى -. لم يكن اللقاء مجرد حوار ثقافي بين طالب جامعي محب للقراءة وأديبة مخضرمة؛ كان مواجهة مع تاريخ حي، مع امرأة تحمل في عينيها ملامح دمشق التي أحبتها: مدينة لا تخشى الحقيقة، ولا تخجل من الحب.

تحدثنا عن روايتها الأشهر «أيام معه»، وسألتها عن تلك الجرأة التي قلبت الموازين عام 1959، ابتسمت بعينين فيهما بريق مازح وقالت: لم أكن أريد أن أصرخ بسكين... فصرخت بأصابعي وأصبحت كاتبة، في تلك اللحظة، أدركت أنني أمام امرأة لا تكتب الأدب... بل تعيشه.

حين صدرت «أيام معه»، لم تكن مجرد رواية؛ كانت ثورة أدبية مكتوبة، للمرة الأولى، تكتب امرأة عربية عن الحب والرغبة من الداخل، من موقع الفاعل لا المفعول به. بطلتها «ريم» لم تكن نسخة مطيعة من المرأة التقليدية، استلهمت خوري الرواية - كما يشاع - من علاقة شخصية مع نزار قباني، لكنها لم تقدم نفسها ضحية أو عاشقة ضعيفة، بل امرأة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحب دون أن تفقد ذاتها وتتابعت أعمالها الأدبية والفكرية والتوثيقية لجدها فارس الخوري إحدى أهم الشخصيات السورية في مسيرة الاستقلال، وكان آخر أعمالها التي بلغت 30 عملا، كتاب شخصيات في الخاطر الصادر في 2016، وكانت بالإضافة لكتابتها بالعربية تكتب باللغة الإنجليزية والفرنسية، والتي كانت تجيدهما بطلاقة.

رغم انفتاحها الأدبي، بقيت كوليت خوري شديدة الارتباط بدمشق، كتبت عن المدينة كأنها بيتها الأول والأخير، ككتابها «دمشق بيتي الكبير».

في نهاية لقائنا في المعرض، وقعت لي نسخة «أيام معه» وكتبت لي «للحياة أجنحة... فلا تحبسها في قفص» اليوم، ومع رحيلها، أدرك أن تلك العبارة لم تكن مجرد إهداء، بل خلاصة فلسفتها في الحياة والكتابة.

لقد منحت الأدب النسوي العربي أجنحة، وفتحت بابا ظل مغلقا طويلا أمام النساء. رحلت كوليت خوري، لكن «ريم» و«رشا» وكل بطلاتها سيبقين يصرخن بأصابعهن الصغيرة في وجه العالم، كلما قرأت امرأة عربية كتابا وقالت «أنا موجودة... أنا أحب... أنا أكتب».

أخبار ذات صلة

0 تعليق