لبنان أمام استحقاق استكمال اتفاق الطائف

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان أمام استحقاق استكمال اتفاق الطائف, اليوم الخميس 4 يونيو 2026 01:35 صباحاً


لبنان لا يعيش أزمة سياسية تقليدية يمكن اختزالها في تعثر تشكيل الحكومات أو الفراغات الدستورية أو الخلافات بين القوى الحزبية. لأن ما يواجهه فعليا هو أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه وبالطريقة التي أدير بها اتفاق اتفاق الطائف منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى اليوم. فالإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في النصوص الدستورية أو في مبدأ التوازن الطائفي بحد ذاته، بل في التطبيق الانتقائي وغير المكتمل للاتفاق وفي غياب الانتقال التدريجي نحو الدولة المدنية التي نصت عليها وثيقة الطائف بصورة واضحة.

جاء اتفاق الطائف بوصفه تسوية تاريخية هدفت إلى إنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية على قاعدة الشراكة الوطنية والتوازن بين المكونات اللبنانية. وقد نجح الاتفاق فعليا في وقف الحرب وإعادة توحيد المؤسسات الدستورية وإعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث بصورة أكثر توازنا. إلا أن التطبيق العملي للاتفاق خلال العقود اللاحقة اقتصر إلى حد كبير على الجوانب المتعلقة بتقاسم السلطة وإعادة توزيع النفوذ السياسي، بينما جرى تأجيل أو تعطيل البنود الإصلاحية الجوهرية التي كان يفترض أن تشكل الأساس الحقيقي لبناء الدولة الحديثة.

وتعد مسألة إلغاء الطائفية السياسية بصورة تدريجية من أبرز البنود التي لم تنفذ رغم أنها وردت بشكل صريح في وثيقة الوفاق الوطني. فقد نص الاتفاق على اعتماد خطة مرحلية لإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تتولى دراسة واقتراح الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف.

كما نص على إنشاء مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية مقابل انتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي. غير أن هذه البنود بقيت معطلة عمليا، فيما استمر النظام السياسي في الاعتماد على التوزيع الطائفي للمناصب والتمثيل والإدارة العامة دون الانتقال إلى المرحلة الإصلاحية التي كان يفترض أن تواكب مرحلة ما بعد الحرب.

ومن الناحية القانونية والدستورية، فإن المشكلة الأساسية لا تتمثل في وجود التعددية الطائفية داخل المجتمع اللبناني، إذ إن التعددية بحد ذاتها ليست خللا دستوريا بل قد تشكل عنصر غنى سياسي وثقافي إذا جرى تنظيمها ضمن إطار دولة مؤسسات وقانون. إلا أن الإشكال الحقيقي ظهر عندما تحولت الطائفية من مبدأ تمثيلي مؤقت إلى قاعدة دائمة لإدارة الدولة والسلطة والإدارة العامة. فبدلا من أن يكون النظام الطائفي مرحلة انتقالية نحو دولة المواطنة أصبح مع الوقت بنية سياسية مستقرة قائمة بذاتها.

وقد أدى ذلك إلى نشوء مجموعة من الاختلالات البنيوية في آلية الحكم. فآليات اتخاذ القرار أصبحت مرتبطة بالتوافقات السياسية والطائفية أكثر من ارتباطها بالمؤسسات الدستورية. كما أن مفهوم المصلحة الوطنية العامة تراجع أحيانا أمام اعتبارات التوازنات الداخلية والهواجس المرتبطة بحماية الحصص السياسية لكل مكون. ونتيجة لذلك أصبحت عملية صنع القرار أكثر تعقيدا وبطئا، خصوصا في القضايا السيادية والإصلاحية الكبرى.

كذلك أفرزت هذه البنية نوعا من التداخل بين الدولة والطوائف السياسية. فالمواطن في كثير من الأحيان لا يتعامل مع الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة للحقوق والخدمات بل من خلال الوسيط السياسي أو الطائفي الذي يوفر الحماية أو النفوذ أو الخدمات. وهذا الواقع أدى تدريجيا إلى إضعاف مفهوم المواطنة المتساوية وإلى تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة باعتبارها مؤسسات محايدة ومستقلة.

ومن الناحية العملية فإن الأزمة الاقتصادية التي انفجرت منذ عام 2019 لم تكن معزولة عن طبيعة النظام السياسي. فالانهيار المالي والنقدي كشف حجم الخلل المتراكم في الإدارة العامة وفي الرقابة المالية وفي بنية الاقتصاد السياسي اللبناني. كما أظهر أن غياب المساءلة الفعالة واستمرار نظام المحاصصة السياسية والإدارية ساهما في إضعاف قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات الضرورية في الوقت المناسب.

وفي المقابل فإن المقاربة الموضوعية تقتضي الإقرار بأن أي انتقال جذري ومفاجئ خارج النظام الطائفي دون توفير ضمانات دستورية وسياسية متوازنة قد يؤدي بدوره إلى مخاوف حقيقية لدى مختلف المكونات اللبنانية. ولهذا السبب فإن اتفاق الطائف لم يدع إلى الإلغاء الفوري للطائفية السياسية بل إلى إلغائها بصورة تدريجية ومدروسة تراعي الاستقرار الوطني وتحفظ التوازنات الأساسية خلال مرحلة الانتقال.

ومن هنا تبدو الأزمة اللبنانية اليوم مرتبطة بثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الأول يتعلق بعدم استكمال تنفيذ اتفاق الطائف بمختلف بنوده الإصلاحية والدستورية وعدم الانتقال من مرحلة تقاسم السلطة إلى مرحلة بناء الدولة المدنية التدريجية.

المستوى الثاني يتعلق بضعف المؤسسات الرقابية والقضائية والإدارية وعدم قدرتها الكاملة على العمل بمعزل عن التأثيرات السياسية والطائفية.
المستوى الثالث يتعلق باستمرار غياب رؤية وطنية موحدة حول شكل الدولة اللبنانية المستقبلية وحول طبيعة العلاقة بين الطوائف والدولة ومفهوم السيادة والقرار الوطني.

وبالتالي فإن النقاش الحقيقي في لبنان لم يعد يدور فقط حول تغيير الحكومات أو تعديل التحالفات السياسية بل حول كيفية استكمال بناء الدولة وفقا للمرتكزات الدستورية التي نص عليها اتفاق الطائف نفسه ولم تطبق بصورة كاملة. فجوهر الأزمة لا يكمن في وجود الاتفاق بل في غياب التنفيذ المتوازن والشامل لبنوده الإصلاحية.

إن أي مسار جدي لمعالجة أزمة الحكم في لبنان يقتضي العودة إلى فلسفة الطائف الأصلية باعتبارها مشروع انتقال تدريجي من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات. وهذا يتطلب تعزيز استقلال القضاء وتطوير الإدارة العامة وتطبيق مبدأ الكفاءة في التعيينات وتوسيع مفهوم المواطنة المتساوية وإنشاء المؤسسات الإصلاحية التي نص عليها الاتفاق وفي مقدمتها الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية ومجلس الشيوخ.

ولهذا فإن استقرار لبنان لا يرتبط بإلغاء التنوع السياسي أو الديني داخل المجتمع بل بقدرة الدولة على إدارة هذا التنوع ضمن إطار دستوري ومؤسساتي عادل. فالتحدي الحقيقي ليس وجود الطوائف بحد ذاته بل كيفية منع تحولها إلى بديل دائم عن الدولة. وعندما يصبح القانون هو المرجعية العليا للمواطن والدولة معا يمكن عندها فقط الانتقال من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق الاستقرار الدستوري المستدام.

alatif1969@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق