محليات
0
❖ وفاء زايد
- صنع نهضة عمرانية أعادت رسم تحول جذري في كافة أنحاء البلاد
- رؤية استراتيجية أرست أسس البنية التحتية جعلت الدوحة تنافس أبرز عواصم العالم
- توفير بنية تحتية قادرة على دعم الحركة الاقتصادية وتسريع النقل والخدمات
- الدوحة نتاج رؤية تنموية بعيدة المدى استثمرت في البنية التحتية
قال المهندس خالد النصر خبير هندسي ومحكم دولي لـ الشرق: يصعب على من يزور الدوحة اليوم للمرة الأولى أن يتخيل أن هذه المدينة العالمية، بما تضمه من ناطحات سحاب، وشبكات طرق متطورة، ومطار يعد من بين الأفضل عالميًا، ومنظومة نقل حديثة، كانت قبل عقود قليلة مدينة خليجية تنمو بوتيرة تتناسب مع إمكانات تلك المرحلة واحتياجاتها.
فما بين منتصف تسعينيات القرن الماضي والسنوات اللاحقة، شهدت الدولة تحولًا جذريًا في مفهوم التنمية العمرانية، انتقلت خلاله من مرحلة تطوير المرافق الأساسية إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة للبنية التحتية، تقوم على التخطيط الاستراتيجي والاستثمار طويل الأمد، بما يواكب النمو الاقتصادي ويؤسس لمكانة الدولة إقليميًا ودوليًا.
وقد ارتبط هذا التحول بمرحلة مفصلية في تاريخ قطر الحديث، مع تولي فقيد الوطن مقاليد الحكم عام 1995، حيث تبنت الدولة رؤية تنموية شاملة جعلت من البنية التحتية حجر الأساس في مشروعها الوطني، انطلاقًا من قناعة بأن التنمية المستدامة لا تُقاس بحجم الإنفاق فحسب، وإنما بقدرة الدولة على بناء مؤسسات ومرافق تواكب احتياجات الأجيال القادمة.
- الدوحة قبل التحول الكبير
وقال: قبل عام 1995، كانت الدوحة قد حققت خطوات مهمة في مسيرة التنمية التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن طبيعة المدينة كانت مختلفة جذريًا عما هي عليه اليوم.
فقد اتسم المشهد العمراني آنذاك بسيادة المباني منخفضة الارتفاع، وكانت الأحياء السكنية تتوزع حول الكورنيش والأسواق التقليدية والمناطق التاريخية، بينما كانت الأبراج الحديثة لا تزال محدودة العدد، ولم تكن منطقة الخليج الغربي (الدفنة) قد تحولت بعد إلى القلب المالي للدولة. أما شبكة الطرق، فقد كانت تلبي احتياجات عدد السكان وحجم الحركة المرورية في تلك المرحلة، لكنها لم تكن مصممة لاستيعاب النمو السكاني والاقتصادي الكبير الذي شهدته البلاد لاحقًا. كما اعتمدت الدولة على مطار الدوحة الدولي، الذي أدى دوره بكفاءة لسنوات طويلة، لكنه كان يقترب من حدوده التشغيلية مع تزايد حركة السفر.
وكانت وسائل النقل العام تعتمد بصورة رئيسية على الحافلات والمركبات الخاصة، في وقت لم تكن فيه مشاريع السكك الحديدية أو المترو قد دخلت حيز التخطيط والتنفيذ.
- رؤية جديدة للتنمية
وأشار إلى أنه مع انطلاق المرحلة الجديدة عام 1995، لم يكن الهدف مجرد تحديث المرافق القائمة، بل إعادة صياغة البنية العمرانية للدولة وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فأصبحت مشاريع الطرق والمطارات والموانئ والمناطق الاقتصادية والمدن الجديدة جزءًا من مشروع تنموي متكامل، يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وتعزيز قدرة قطر على استقطاب الاستثمارات العالمية، وتحسين جودة الحياة للمواطنين والمقيمين.
وقد تميزت هذه المرحلة بأن مشاريع البنية التحتية لم تُنفذ بصورة منفصلة، وإنما جاءت ضمن منظومة مترابطة، بحيث يدعم كل مشروع المشاريع الأخرى، ويُسهم في تحقيق أهداف التنمية الشاملة، فقد شهد قطاع النقل البري واحدة من أكبر عمليات التطوير في تاريخ الدولة، وتم تنفيذ شبكة واسعة من الطرق السريعة، وإنشاء الجسور والأنفاق والتقاطعات متعددة المستويات، وربط المدن والمناطق الصناعية والموانئ والمطار بشبكة حديثة تراعي النمو المستقبلي لعقود قادمة.
- دعم الحركة الاقتصادية
ولم يكن الهدف تقليل الازدحام المروري فقط، بل توفير بنية تحتية قادرة على دعم الحركة الاقتصادية، وتسريع عمليات النقل والخدمات اللوجستية، ورفع كفاءة التنقل داخل الدولة.
ومع مرور الوقت، أصبحت الطرق القطرية نموذجًا متقدمًا في معايير السلامة والهندسة المرورية، مدعومة بأنظمة ذكية لإدارة الحركة وتحسين كفاءة التشغيل.
وأشار إلى أنّ التحول الذي شهدته منطقة الخليج الغربي (الدفنة) يعد أحد أبرز الشواهد على النهضة العمرانية في قطر، فقد تحولت المنطقة، التي كانت في السابق مساحة ساحلية محدودة التطوير، إلى واجهة حضرية حديثة تضم مقار الوزارات، والمؤسسات الحكومية، والبنوك، والشركات العالمية، إضافة إلى الفنادق الفاخرة والأبراج التجارية والسكنية. ومع اكتمال هذا التحول، أصبح أفق الدوحة واحدًا من أكثر المشاهد العمرانية تميزًا في منطقة الخليج، وعلامة تعكس الطموح التنموي الذي تبنته الدولة، وكان قرار إنشاء مطار حمد الدولي انعكاسًا لرؤية تستشرف المستقبل، في ظل النمو المتسارع الذي شهدته الخطوط الجوية القطرية وارتفاع أعداد المسافرين.
وجاء المشروع ليؤسس مركزًا عالميًا للطيران، يتمتع بأحدث التقنيات التشغيلية، وقدرات استيعابية كبيرة، وخدمات متطورة جعلته يحصد لاحقًا العديد من الجوائز الدولية، ويصبح أحد أهم مراكز النقل الجوي في العالم.
ولم يكن المطار مجرد منشأة للنقل، بل أصبح بوابة اقتصادية وسياحية تعزز مكانة قطر على خريطة التجارة والسفر العالمي، ثم امتدت النهضة إلى قطاع النقل البحري، حيث وضعت الدولة أسس تطوير منظومة موانئ حديثة تدعم التجارة الدولية وتعزز الأمن الاقتصادي.
- مشاريع المدن الجديدة
وفي الوقت نفسه، انطلقت مشاريع المدن الجديدة، وفي مقدمتها مدينة لوسيل، التي صُممت لتكون نموذجًا للمدن الذكية، مع مراعاة معايير الاستدامة وجودة الحياة، وتوفير بيئة متكاملة للسكن والعمل والاستثمار.
كما توسعت المناطق السكنية في مختلف أنحاء الدولة، مدعومة بشبكات متطورة للمياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات، بما يواكب النمو السكاني المتسارع، ولم تقتصر النهضة على الخرسانة والطرق، بل شملت بناء الإنسان باعتباره محور التنمية الحقيقي، فشهد قطاع التعليم توسعًا كبيرًا مع إنشاء المدينة التعليمية واستقطاب جامعات عالمية مرموقة، إلى جانب تطوير المؤسسات التعليمية الوطنية. وفي القطاع الصحي، جرى تحديث المستشفيات، وإنشاء مراكز تخصصية، ورفع جودة الخدمات الطبية، بما جعل قطر تمتلك أحد أكثر الأنظمة الصحية تطورًا في المنطقة.
كما شهدت الثقافة والرياضة اهتمامًا متزايدًا، عبر إنشاء المتاحف والمراكز الثقافية والمنشآت الرياضية الحديثة، بما عزز مكانة الدولة كمركز لاستضافة الفعاليات والبطولات الدولية، وإطلاق رؤية قطر الوطنية 2030 محطة استراتيجية في مسيرة الدولة، إذ وضعت إطارًا واضحًا يربط بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والبشرية.
وأصبحت الرؤية مرجعًا لجميع المشاريع الكبرى، بما يضمن تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة، قادرة على تلبية احتياجات الحاضر دون الإخلال بحقوق الأجيال القادمة.
- نموذج متكامل في التخطيط الاستراتيجي
وقال: عندما تُستعرض الإنجازات العمرانية، فإن الحديث لا يقتصر على الأبراج أو الطرق أو المطار، بل يمتد إلى نموذج متكامل في التخطيط الاستراتيجي، استطاع خلال فترة زمنية وجيزة أن يغيّر صورة الدولة على المستويين الإقليمي والدولي.
فالدوحة اليوم ليست مجرد مدينة حديثة، بل نتاج رؤية تنموية بعيدة المدى، استثمرت في البنية التحتية باعتبارها أساسًا للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وتعزيز الحضور الدولي.
لقد شكّلت مرحلة الأمير الوالد نقطة تحول فارقة في مسيرة التنمية القطرية، حيث وُضعت خلالها اللبنات الأساسية لمشروعات كبرى أثمرت عن مدينة تنافس أبرز العواصم العالمية في جودة بنيتها التحتية وكفاءة مرافقها. واستمرت هذه المسيرة في السنوات اللاحقة، لتُبنى على تلك الأسس مشاريع وإنجازات عززت مكانة قطر بوصفها نموذجًا تنمويًا حديثًا يجمع بين الطموح والتخطيط والاستدامة.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية


















0 تعليق